المركز العربي
للبحوث والدراسات
رئيس مجلس الادارة
عبد الرحيم علي

المدير التنفيذي 
هاني سليمان
ads
حسام الحداد
حسام الحداد

إثيوبيا على صفيح ساخن.. تصعيد عسكري واسع في تيجراي وأمهرة ومخاوف مصرية من امتداد رقعة التوتر الإقليمي

الثلاثاء 27/أكتوبر/2026 - 10:45 ص
المركز العربي للبحوث والدراسات
إثيوبيا على صفيح
تمر الدولة الإثيوبية بمرحلة مفصلية ومحفوفة بالمخاطر الميدانية والسياسية، تنذر باندلاع موجة جديدة من الفوضى الشاملة واختلال التوازنات الهشة في منطقة القرن الإفريقي برمتها. فبينما تسعى الحكومة الفيدرالية في أديس أبابا، بقيادة رئيس الوزراء أبي أحمد، إلى فرض رؤيتها ومحاولة إحكام القبضة المركزية على إقليم تيجراي الاضطرابي من خلال عمليات إعادة انتشار القوات العسكرية وفرض مجالس إدارية مؤقتة كتمهيد لانتخابات إقليمية مُزمعة، تشير التطورات الواقعية على الأرض إلى تصاعد متسارع في حدة المواجهات المسلحة وتشتتها على عدة محاور حيوية، مما يعكس تراجع قدرة النظام الفيدرالي على حسم المعارك لصالحها بشكل كامل.
ولم تقتصر أبعاد هذه الأزمة المتفاقمة على النزاعات المسلحة داخل الحدود الإثيوبية فحسب، بل امتدت لتأخذ طابعًا إقليميًا خطيرًا يهدد الأمن القومي لدول الجوار؛ إذ تزامن هذا التصعيد الميداني مع إطلاق السلطات الإثيوبية لاتهامات رسمية مرسلة ضد أطراف إقليمية، في وقت تشهد فيه العلاقات الثنائية بين أديس أبابا وأسمرة تأزمًا غير مسبوق بلغت فيه لغة التهديدات العسكرية المتبادلة ذروتها. وتتابع القاهرة هذه التحركات المريبة عن كثب وسط مخاوف حقيقية من اتساع رقعة الصراع وتحوله إلى نزاع إقليمي مفتوح يلقي بظلاله المباشرة على أمن واستقرار البحر الأحمر والقرن الإفريقي.

خريطة الميدان: اشتباكات عنيفة وتنازع على السيطرة

خريطة الميدان: اشتباكات
تعكس التطورات الميدانية الأخيرة خلال الفترة من 20 إلى 23 أكتوبر هشاشة الأوضاع الأمنية وعجز القوات الفيدرالية (قوات الدفاع الوطني الإثيوبية) عن حسم المعارك لصالحها بشكل كامل، في ظل استبسال قوات دفاع تيجراي وتحركات حركات مسلحة أخرى مثل "فانو" في إقليم أمهرة:
• المحور الشمالي (راما - زالامبيسا - دالول): نجحت قوات دفاع تيجراي في استعادة السيطرة على بلدة "راما" الاستراتيجية الواقعة على الحدود الإريترية (على بعد نحو 25 ميلاً شمال مدينة أدوا)، وذلك إثر انسحاب تكتيكي أو إعادة انتشار قامت به القوات الفيدرالية في منتصف أكتوبر.
• المحور المركزي (أبي عدي - عدوة - أكسوم): تكثف القوات الفيدرالية عملياتها لتطهير المعاقل الجبلية وتأمين الحزام الحضري، حيث أعلنت السيطرة على بلدتي "سيميما" و"زانا"، إضافة إلى مدينة "أبي عدي" غرب ميكيلي، وسط اشتباكات ضارية وحركة هجومية مضادة من قبل الفصائل التيغراوية على خطوط الإمداد.
• المحور الجنوبي (سمرة - سيكوتا - ألاماتا - ولديا): يشهد هذا المحور تقاطعًا صراعياً معقداً تتنازع فيه قوات تيجراي وحركة "أمهرة فانو" الوطنية السيطرة على الطرق الرئيسية. وقد امتدت الاشتباكات إلى محيط "أبيرجيلي" و"ييتشيلا"، بالتزامن مع غارات مسجلة لطائرات مسيرة في المنطقة أسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين. وفي نفس السياق، تسببت الاشتباكات على الطريق السريع (B22) بين وولديا وبحر دار في شلل حركة المرور وقطع طرق الإمداد الحيوية.
• المحور الغربي (هوميرا - آدي ريميتس - شاير): تتواصل المناوشات ومحاولات قوات تيجراي تعزيز مواقعها غربًا بعيدًا عن الحزام الحضري، حيث سُجلت اشتباكات عنيفة بالقرب من شيرارو وديديبت، مع قيام القوات التيغراوية بوضع حواجز لطرق الإمداد الحيوية.

تحركات مريبة وبلاغات عن توغل حدودي من السودان

على صعيد التطورات الميدانية والحدودية المتسارعة، برزت أحداث لافتة تزيد من تعقيد المشهد الأمني المتوتر بين أديس أبابا ودول الجوار الإقليمي؛ حيث أعلن تلفزيون إقليم "بني شنقول غوموز" الإثيوبي (الذي تديره الدولة) عن رصد توغل مسلح قامت به ثلاثة مركبات تحمل مقاطعين ينتمون لجبهة تحرير شعب تيجراي، قادمة عبر الحدود المتاخمة لولاية النيل الأزرق في جنوب شرق السودان، مشيرة إلى مواجهات دارت في المنطقة أسفرت عن سقط عدد من المقاتلين بين قتيل وجريح وأسير.
وفي تصعيد سياسي وإعلامي خطير، سارعت وسائل الإعلام الرسمية التابعة للحكومة الإثيوبية إلى توجيه اتهامات صريحة ومباشرة لكل من مصر وإريتريا والسودان برعاية ودعم هذا التوغل المزعوم. وتمثل هذه الاتهامات تحولاً نبرياً نادراً يهدف إلى ربط التحركات العسكرية الفردية والجبهات المتمردة بفرضية "المؤامرة الإقليمية الثلاثية"، في محاولة لشحن الرأي العام الداخلي وتعبئته ضد ما تصفه أديس أبابا بالتهديدات الخارجية للسيادة الوطنية الإثيوبية.
ورغم الضجة الإعلامية التي أثارتها الأجهزة الرسمية الإثيوبية، إلا أن مشروع "التهديدات الحرجة" (CTP) والمصادر المستقلة أكدا عدم إمكانية التحقق من صحة هذا التوغل أو إثبات الحادثة من أطراف حيادية. ويعزز ذلك فرضية تزييف أو تضخيم الرواية الحكومية، حيث تفتقر تلك البيانات لل أدلة الملموسة التي تعزز المزاعم المتعلقة بدخول مركبات عسكرية عبر حدود دولية شديدة الحراسة والترقب.
ويعكس هذا الإقحام المتكرر لأسماء دول الجوار -وعلى رأسها مصر- في أزمات إثيوبيا الداخلية رغبة ملموسة من قِبل إدارة رئيس الوزراء أبي أحمد في تصدير أزماتها المستعصية وتشتيت الانتباه عن الإخفاقات العسكرية الميدانية في تيجراي وأمهرة. كما يُظهر هذا النهج الاتهامي استراتيجية سياسية تعتمد على تعليق الأزمات الهيكلية للبلاد على شماعة التدخلات الخارجية لامتصاص الغضب الشعبي الداخلي.

الهندسة السياسية في تيجراي: مجالس مؤقتة بقبضة استخباراتية

في محاولة لفرض أمر واقع سياسي جديد وإحكام القبضة الفيدرالية على الإقليم الشديد الاضطراب، تسعى حكومة رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد إلى إعادة هيكلة المشهد الإداري والتنفيذي في إقليم تيجراي؛ حيث أعلن أبي أحمد في 16 أكتوبر عن تشكيل مجلس إقليمي مؤقت، زاعمًا أن الهدف منه هو استعادة الأمن والحكم الرشيد وتهيئة الأجواء للانتخابات الإقليمية المزمع إجراؤها خلال ستة أشهر، وذلك في ظل ترتيبات تتيح لمسؤولي المجلس التناوب على رئاسته حتى موعد الاستحقاق الانتخابي.
وتعكس الشخوص المشرفة على هذا المجلس طبيعة التوجه الفيدرالي ومساعي أديس أبابا لضبط إيقاع الإقليم عبر أدواتها الأمنية والدبلوماسية؛ حيث كشفت التقارير عن وضع المجلس تحت الإشراف المباشر لشخصيات نافذة تشكل النواة الصلبة لنظام أبي أحمد، وعلى رأسهم غيتاشيو رضا مستشار رئيس الوزراء، ورضوان حسين رئيس جهاز المخابرات الإثيوبية، إلى جانب الوزير الفيدرالي أبراهام بيلاي. وهو ما يوضح أن الإدارة الجديدة ليست سوى واجهة تنفذ رؤية الأجهزة الأمنية والاستخباراتية المركزية.
وعلى الجانب الآخر، تبرز قيود هيكلية تشكك في قدرة المجلس على إحداث نقلة نوعية أو كسب ثقة الشارع التيغراوي؛ إذ تفيد المعلومات الناقلة عن مصادر محلية بأن المجلس يمتلك صلاحية تشكيل حكومة مؤقتة ومجلس وزراء محلي، إلا أنه مجرد من السلطة التشريعية الحقيقية حيث يُمنع من سن لوائح جديدة أو عقد صفقات وأنشطة تجارية رئيسية. وهذا الاختزال القيادي يجعل الإدارة الإقليمية مكبلة اليدين وربما عاجزة عن التعاطي مع الأزمات الاقتصادية والإنسانية الخانقة التي يعاني منها الإقليم.
ورغم محاولات التسويق الإعلامي والدبلوماسي للمجلس باعتباره مدخلاً للاستقرار -وهو ما تجسد في تصريحات رئيس قسم السلام والأمن بالمجلس جبرتينساي واتنا خلال فعالية جماهيرية في ميكيلي بأن الشباب سيتجهون للتنمية لا الحرب، فضلاً عن لقاء ممثل الأمم المتحدة برئيس الإدارة العامة أسيفا أبراهغا وتأكيده على الدعم الدولي- إلا أن غياب الإجماع السياسي الحقيقي واقتصار التحرك على إجراءات فوقية محكومة بالقبضة الأمنية يشيران إلى هندسة سياسية هشة قد تنهار أمام أول اختبار ميداني.

حرب اشتعال دبلوماسية وتهديدات متبادلة مع إريتريا

لم تقتصر تداعيات الأزمة الإثيوبية على الجبهات الداخلية المشتعلة فحسب، بل تجاوزتها لتلقي بظلالها الثقيلة على الإقليم بأسره؛ إذ بلغت العلاقات الثنائية بين أديس أبابا وأسمرة مرحلة بالغة الخطورة من التأزم والتلويح بالقوة العسكرية. وقد تجسد ذلك بوضوح في التصريحات الحادة التي أدلى بها رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في 19 أكتوبر، والتي وجّه خلالها تحذيرات نارية ومباشرة للحكومة الإريترية، مهدداً إياها بمواجهة "عواقب وخيمة للغاية" في حال واصلت سياساتها الرامية لزعزعة الاستقرار في إثيوبيا عبر تقديم الدعم والاحتضان للجماعات المتمردة المناهضة للحكومة الفيدرالية.
وفي المقابل، لم تتأخر ردود الفعل الرسمية من الجانب الإريتري، حيث سارعت أسمرة على لسان وزير إعلامها يماني مسكل لتفنيد الاتهامات الإثيوبية وكشف النوايا الهجومية لأديس أبابا؛ فاتحت الحكومة الإريترية رئيس الوزراء الإثيوبي بالاستمرار في إطلاق "تهديدات عدوانية متكررة منذ ثلاث سنوات" تضمنت التلويح بشن حروب غزو واجتياح عسكري بغية انتزاع منافذ بحرية سيادية تعود لإريتريا على ساحل البحر الأحمر. وقد عززت وزارة الإعلام والبعثة الدبلوماسية الإريترية لدى الأمم المتحدة هذه الموقف عبر نشر تقارير وبيانات رسمية تؤكد أن السياسات التوسعية لأبي أحمد تشكل التهديد الأكبر لأمن واستقرار القرن الإفريقي.
ولم تعد هذه المعركة الدبلوماسية محصورة في الفضاء الإعلامي، بل امتدت لتنتقل إلى أروقة الدبلوماسية الدولية والمحافل الأممية؛ إذ سعت المندوبة الدائمة لإريتريا لدى الأمم المتحدة، صوفيا تسفاماريام، خلال لقائها بالمندوب الأمريكي الدائم مايكل والتز في 20 أكتوبر، إلى قرع ناقوس الخطر بشأن التهديدات الإثيوبية المستمرة بضم أراضٍ إريترية بالقوة. وفي خطوة موازية، حرص المندوب الإثيوبي غيتاشيو رضا على عقد لقاءات مكثفة مع مبعوث الأمم المتحدة الخاص للقرن الإفريقي، غوانغ كونغ، في 21 أكتوبر، محاولاً تركيز الجهود الدولية لإدانة ما سمّاه "الدور التخريبي" لأسمرة وتورطها في تقويض الاستقرار الإثيوبي.
وعلى الرغم من هذا التصعيد اللفظي الحاد، تشير الكواليس الدبلوماسية إلى وجود تحركات استباقية هادئة تسعى لاحتواء الموقف قبل انزلاقه نحو المواجهة المسلحة؛ حيث كشفت مصادر دبلوماسية مطلعة عن قيام كل من وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح ومستشار الرئيس الإريتري يماني جبرياب بزيارة خاطفة إلى كينيا لحث نيروبي على لعب دور الوسيط وتقريب وجهات النظر بين الجارين اللدودين. ويكشف هذا التناقض بين الخطاب التصعيدي والمساعي الدبلوماسية الخلفية عن ارتباك إقليمي عميق في حسابات البلدين، وحاجة كل طرف لضبط إيقاع الصراع قبل تفجر حرب إقليمية مدمرة.

رؤية تحليلية

يوضح هذا المشهد الميداني والسياسي المعقد أن إثيوبيا تسير بخطى حثيثة نحو مرحلة خطيرة من التآكل الداخلي والتفكك الهيكلي. إن الرهان المستمر من قِبل النظام الفيدرالي في أديس أبابا على خيار الحسم العسكري المفرط والحلول الأمنية الفوقية يصطدم بواقع جُغرافي وعرقي شديد التعقيد ومعاند للسلطة المركزية، الأمر الذي يعمق أزمات البلاد البنيوية ويزيد بشكل مطرد من احتمالات استنزاف الدولة ومؤسساتها على كافة الجبهات المفتوحة في إقليمي تيجراي وأمهرة.
ولا ينفصل التصعيد الداخلي عن الأزمات الخارجية لنظام أبي أحمد، إذ يأتي الزج باسم مصر في اتهامات مرسلة وعارية عن الصحة بشأن التوغل الحدودي المزعوم ليعكس نهجًا هروبيًا متكررًا تمارسه القيادة الإثيوبية. وغالباً ما تلجأ أديس أبابا إلى اختلاق "التهديدات الخارجية" وتضخيمها في محاولة يائسة للهروب من استحقاقات السلام الداخلي ومعالجة الإخفاقات التنموية والاقتصادية، فضلاً عن تصدير الضغوط الإقليمية المتزايدة لصرف انتباه الرأي العام الإثيوبي عن الفشل الذريع في إدارة التنوع وتثبيت الاستقرار.
وعليه، فإن استمرار هذا المسار المأزوم ينذر بتحويل إثيوبيا إلى بؤرة دائمة لعدم الاستقرار في منطقة القرن الإفريقي، ما لم تدرك القيادة الفيدرالية عبثية السياسات الاستفزازية والحلول القمعية. إن الخروج من نفق الانهيار الوشيك يتطلب قراءة واقعية تتبنى حوارًا وطنيًا شاملًا وجادًا بعيدًا عن مناورات الهروب للأمام، وهو ما يضع الأمن الإقليمي والدولي أمام تحديات جسيمة تستوجب مراقبة دقيقة لتداعيات هذا الصراع المتشعب.

إرسل لصديق

ما سيناريو المستقبل الأقرب لمسار الأزمة والتفاهمات بين السعودية والجماعة الحوثية؟

ما سيناريو المستقبل الأقرب لمسار الأزمة والتفاهمات بين السعودية والجماعة الحوثية؟