إيران تلوّح بقطع شريان الإنترنت العالمي.. هل تتحول الحرب إلى معركة ضد العالم الرقمي؟
الأربعاء 21/أكتوبر/2026 - 12:45 م
لم تعد الحروب تُقاس بعدد الصواريخ التي تنطلق أو المدن التي تتعرض للقصف فقط. فهناك سلاح لا يسمع أحد صوته، ولا يرى الناس أثره لحظة وقوعه، لكنه قادر على إرباك البنوك، وتعطيل الخدمات الرقمية، وضرب حركة البيانات التي تقوم عليها التجارة والاتصالات بين الدول. هذا السلاح موجود في أعماق البحار، حيث تمر كابلات الألياف الضوئية التي تحمل الجزء الأكبر من حركة الإنترنت الدولية.
التحذير الإيراني الأخير يضع هذا الخطر في صدارة المشهد. ففي 13 أكتوبر 2026، تناولت تقارير إعلامية تهديدات أطلقها المسؤول الأمني الإيراني محسن رضائي باستهداف كابلات الاتصالات ومراكز البيانات ومنشآت الذكاء الاصطناعي في المنطقة إذا تجددت الحرب مع الولايات المتحدة. ولم يعد الحديث مقتصرًا على القواعد العسكرية أو منشآت الطاقة، بل امتد إلى البنية التحتية الرقمية التي تعتمد عليها اقتصادات الخليج والمنطقة بأكملها.
الخطورة أن الإنترنت ليس فضاءً افتراضيًا منفصلًا عن الواقع؛ إنه شبكة مادية لها كابلات ومحطات إنزال ومراكز بيانات ومصادر طاقة، ويمكن أن تتعرض أجزاء منها للتخريب أو الهجمات المباشرة.
كابلات تحت البحر.. شريان العالم الرقمي
تنتشر كابلات الاتصالات البحرية بين القارات، وتحمل أكثر من 99% من حركة البيانات العابرة للقارات، وفقًا لبيانات ومواد تعريفية متخصصة في قطاع الاتصالات. وهذه النسبة لا تعني أن كل حركة الإنترنت داخل كل دولة تمر عبر البحر، لكنها توضح مدى اعتماد الاتصالات الدولية على هذه الشبكة.
وتزداد حساسية المشهد عند النظر إلى البحر الأحمر؛ إذ تشير تقديرات متخصصة إلى أن أكثر من 90% من سعة نقل البيانات بين أوروبا وآسيا تمر عبر كابلات تعبر هذا البحر. هذه النسبة تفسر لماذا أصبحت المنطقة نقطة حساسة في أمن الاتصالات العالمي، ولماذا يمكن لحادث يقع في ممر بحري محدود أن ينعكس على خدمات رقمية في دول بعيدة عنه بآلاف الكيلومترات.
ولا تحتاج الكابلات إلى حرب شاملة كي تتعرض للضرر؛ فقد تنقطع بسبب مراسي السفن أو الحوادث البحرية، كما يمكن أن تتعرض للتخريب المتعمد. وإصلاحها ليس مهمة بسيطة، خصوصًا في مناطق القتال، حيث تحتاج سفن الإصلاح إلى الوصول الآمن والتصاريح والمعدات المتخصصة. وفي بعض الحالات، قد يستغرق الإصلاح أسابيع أو أكثر، تبعًا لمكان العطل وحجم الضرر والظروف الأمنية.
هل تستطيع إيران قطع الإنترنت عن العالم؟
ينبغي التمييز بين القدرة على إلحاق أضرار بشبكة الكابلات، والقدرة على قطع الإنترنت عن العالم بأسره. فالأمر الثاني ليس نتيجة تلقائية لتعطل كابل أو أكثر؛ إذ تتوزع حركة البيانات على مسارات متعددة، ويمكن تحويل جزء منها إلى طرق بديلة. لكن هذه البدائل ليست بلا حدود، وقد يؤدي فقدان عدة مسارات رئيسية إلى ازدحام الشبكات، وبطء الخدمات، وارتفاع تكاليف نقل البيانات، وانقطاع الاتصالات في بعض المناطق.
لذلك، فإن السيناريو الأكثر واقعية ليس بالضرورة اختفاء الإنترنت عالميًا، بل وقوع اضطرابات متفاوتة الشدة في دول ومناطق تعتمد على مسارات محددة. وقد تتضرر الخدمات المصرفية، ومنصات الحوسبة السحابية، والاتصالات بين الشركات، وبعض التطبيقات التي تعتمد على مراكز بيانات خارج حدود الدولة.
وشهدت المنطقة بالفعل مؤشرات على هشاشة هذه البنية. فقد تضررت كابلات بحرية في البحر الأحمر في مارس 2024، وتسببت الواقعة في اضطرابات بخدمات الإنترنت في أجزاء من الشرق الأوسط وآسيا. كما شهد سبتمبر 2025 تقارير عن انقطاعات في كابلات قرب جدة أثرت في سرعة الاتصالات بمناطق من الشرق الأوسط وجنوب آسيا. ولا يعني ذلك أن هذه الوقائع كانت هجمات إيرانية؛ بل تؤكد أن شبكة الاتصالات البحرية معرضة للاضطراب حتى من دون مواجهة عسكرية مباشرة.
أما إيران، فإن التلويح باستهداف البنية التحتية الرقمية يفتح بابًا آخر في المواجهة: استخدام نقاط الضعف الاقتصادية والتكنولوجية للضغط على الخصوم، بدلًا من حصر الصراع في ساحات القتال التقليدية. ومع ذلك، فإن التهديد السياسي لا يثبت وحده أن طهران قادرة على تعطيل الشبكة بصورة شاملة أو مستدامة؛ فذلك يتوقف على المواقع المستهدفة، وحجم الضرر، وقدرة الدول والشركات على تحويل حركة البيانات إلى مسارات أخرى.
البحر الأحمر.. نقطة ضعف استراتيجية لمصر
بالنسبة إلى مصر، لا يتعلق الأمر بخبر تقني بعيد عن حسابات الأمن القومي. فموقعها الجغرافي يجعلها ممرًا مهمًا في شبكة الاتصالات التي تربط آسيا بأوروبا وأفريقيا. وتوضح دراسات متخصصة أن مصر تمثل عقدة رئيسية في مسارات الكابلات البحرية، وأن نسبة كبيرة من الاتصالات بين أوروبا وآسيا تمر عبر أنظمة الكابلات المرتبطة بالبحر الأحمر والأراضي المصرية.
هذه المكانة تمنح مصر أهمية اقتصادية واستراتيجية، لكنها تفرض عليها مسؤولية أكبر في حماية البنية التحتية الرقمية. فالتعرض المتزامن لأكثر من كابل أو تعطل نقاط اتصال رئيسية يمكن أن يؤثر في حركة البيانات الدولية، ويزيد الضغط على المسارات البديلة، ويضر بسمعة المنطقة باعتبارها ممرًا موثوقًا للاتصالات.
ولا يعني ذلك أن قطع الكابلات في البحر الأحمر سيوقف الإنترنت المصري بالكامل؛ فالشبكات الوطنية والدولية تستخدم مسارات وأنظمة متعددة. لكن المخاطر الحقيقية تكمن في حجم الاعتماد على بعض الممرات، ومدى جاهزية البدائل، والوقت اللازم لتحويل حركة البيانات وإصلاح الأعطال.
ومن هنا، فإن حماية الكابلات يجب أن تصبح جزءًا واضحًا من مفهوم الأمن القومي المصري، بالتوازي مع حماية الملاحة والطاقة. ويشمل ذلك تعزيز مراقبة المسارات البحرية، والتعاون مع الدول المطلة على البحر الأحمر، وتطوير خطط طوارئ مع شركات الاتصالات، وزيادة تنوع المسارات البرية والبحرية، والاستعداد للتعامل مع أعطال متزامنة بدلًا من افتراض وقوع حادث منفرد.
من الخليج إلى الاقتصاد العالمي
لا تستهدف هذه التهديدات الكابلات وحدها؛ فمراكز البيانات تمثل جزءًا آخر من المعادلة. هذه المراكز تشغل تطبيقات الشركات، وتخزن المعلومات، وتوفر خدمات الحوسبة السحابية، وتعتمد على الكهرباء والتبريد والاتصالات المستمرة. وإذا تعرض مركز رئيسي لهجوم أو فقد الطاقة والاتصال، فقد تتأثر خدمات كثيرة تعتمد عليه، حتى لو ظلت الكابلات نفسها سليمة.
وتكشف هذه المخاطر مدى الترابط بين الأمن العسكري والاقتصاد الرقمي. فالتأثير لا يتوقف عند الأجهزة المتضررة، بل قد يمتد إلى المؤسسات التي تعتمد على خدماتها، وإلى العملاء الذين لا يعرفون أصلًا أين توجد الخوادم التي تشغل تطبيقاتهم.
وهنا تتضح طبيعة المعركة المحتملة: الخصم لا يحتاج دائمًا إلى تدمير اقتصاد دولة بصورة مباشرة؛ فقد يكفيه إحداث اضطراب مكلف في خدمات تعتمد عليها الشركات والأسواق والحكومات، ثم استخدام هذا الاضطراب للضغط السياسي أو لإرباك الخصم خلال أزمة عسكرية.
لكن الرهان على هذا النوع من الهجمات ليس مضمون النتائج. فاستهداف البنية التحتية المدنية قد يوسع دائرة الصراع، ويضر بدول وشركات لا تشارك فيه، ويخلق ردود فعل دولية تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة. كما أن إصابة كابل لا تعني بالضرورة تحقيق الهدف؛ إذ تعتمد النتيجة على وجود مسارات بديلة، وقدرة الشبكات على استيعاب الضغط، وسرعة وصول فرق الإصلاح.
هل نحن أمام مرحلة جديدة من الحروب؟
يتجه العالم إلى منح البنية التحتية الرقمية مكانة أكبر في حسابات الردع والصراع. فالكابلات البحرية ومراكز البيانات وشبكات الطاقة لم تعد مجرد منشآت تجارية؛ إنها أصول استراتيجية تتوقف عليها قدرة الدول على العمل في أوقات السلم والحرب.
والتهديد الإيراني يجب أن يُقرأ في هذا السياق، لا باعتباره إعلانًا مؤكدًا عن انقطاع عالمي وشيك للإنترنت. فبين التهديد والتنفيذ مسافة تتعلق بالقدرات والفرص والتكاليف والردود المتوقعة. لكن إدخال الكابلات ومراكز البيانات في خطاب التهديد يكشف أن المواجهة لم تعد محصورة في الصواريخ والمنشآت النفطية، وأن نقاط الضعف الاقتصادية أصبحت جزءًا من لغة الضغط العسكري.
أما المؤشر الأخطر في الفترة المقبلة، فلن يكون التصريح السياسي وحده، بل ظهور تحركات فعلية قرب مسارات الكابلات، أو تكرار أعطال غير مفسرة في مناطق التوتر، أو تهديدات مباشرة لشركات الاتصالات ومراكز البيانات، أو تعطل أعمال الإصلاح بسبب المخاطر الأمنية. عندها يصبح من الضروري التمييز بين حادث بحري عابر وتصعيد يستهدف البنية التحتية بصورة منظمة.
العالم لا يحتاج إلى قطع جميع كابلات الإنترنت كي يشعر بخطورة هذا السلاح؛ فقد يكفي تعطل عدد محدود من المسارات الحساسة لإحداث اضطراب واسع في مناطق تعتمد عليها. وبالنسبة إلى مصر، فإن حماية ممرات الاتصالات لا تقل أهمية عن تأمين خطوط الملاحة والطاقة. فالمعركة التي تدور في أعماق البحر قد لا تُرى بالعين، لكن آثارها يمكن أن تصل إلى شاشة الهاتف، وحساب البنك، ومصنع يتوقف عن العمل، وسوق ينتظر تدفق البيانات.

