المركز العربي
للبحوث والدراسات
رئيس مجلس الادارة
عبد الرحيم علي

المدير التنفيذي 
هاني سليمان
ads
حسام الحداد
حسام الحداد

جذور التمرد ومآلات الاستدراج: قراءة في كتاب «إيران والحوثيون.. مراجع ومواجع»

السبت 17/أكتوبر/2026 - 10:35 م
المركز العربي للبحوث والدراسات
يُشكل كتاب «بعد الثورة الشعبية اليمنية: إيران والحوثيون.. مراجع ومواجع» للباحث أحمد أمين الشجاع، الصادر عن مركز البيان للبحوث والدراسات عام 2012م، علامة فارقة في الأدبيات السياسية والتوثيقية المبكرة التي عكست عمق التحولات الجيوسياسية في اليمن. فقد نجح المؤلف في رصد مخاضات مرحلة ما بعد ثورة فبراير 2011م، متتبعا بدقة كيف استغلت الحركة الحوثية التجاذبات الوطنية والإقليمية لتوسيع نفوذها المسلح وتثبيت أركان مشروعها الطائفي والسياسي.   
تستند هذه القراءة التحليلية والنقدية إلى تفكيك الهيكل البنيوي للكتاب الذي انقسم إلى محاور جوهرية غطت النشأة التاريخية، والتمدد الميداني، والامتداد الإيراني العابر للحدود، مع اخضاع الطرح لمنهجية علمية مزدوجة توازن بين الإشادة بالجهد التوثيقي الاستثنائي للكاتب وتسليط الضوء على بعض الملاحظات المنهجية المتعلّقة بحدود السياق الزمني والحياد الأكاديمي، بما يمنح الباحثين رؤية متكاملة لتقييم القيمة التاريخية والميدانية للكتاب

أولاً: البناء التكويني ومحاور الكتاب الأساسية

أولاً: البناء التكويني
يُظهر الهيكل البنيوي لكتاب «إيران والحوثيون.. مراجع ومواجع» للباحث أحمد أمين الشجاع دقة منهجية في توزيع مفردات الأزمة اليمنية ومرتكزاتها؛ إذ عمد المؤلف إلى تقسيم دراسته التحليلية إلى أربعة محاور رئيسية تكاملت فيما بينها لتغطي الأبعاد التاريخية، والميدانية، والجيوسياسية، والاستشرافية. وقد جاء هذا التقسيم ليخدم غرضاً تحليلياً عميقاً يستجلي الجذور الفكرية والتنظيمية للحركة الحوثية، وصولاً إلى تتبع مآلاتها وتداعياتها الخطيرة على النسيج الوطني والسياسي اليمني في ظل المتغيرات الإقليمية والمحلية المتلاحقة.   

1. نشأة الحركة الحوثية وتطورها العسكري والديني:
الجذر التاريخي والتأسيس الفكري: يتتبع المؤلف في هذه الفقرة البدايات الأولى لتشكل النواة الأولى للحركة منذ أواخر السبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، مبرزاً التأثر الواضح بتبعات الثورة الإيرانية عام 1979م، وما أعقبها من تأسيس "اتحاد الشباب" عام 1986م، وصولاً إلى ظهور "منتدى الشباب المؤمن" في مطلع التسعينيات مستغلاً مناخ التعددية السياسية وحرية التعبير بعد إعلان الوحدة اليمنية. ويشير التحليل إلى أن هذه المحطات لم تكن مجرد أنشطة ثقافية عابرة، بل كانت بمثابة اللبنات التأسيسية الأولى لبلورة مشروع مذهبي يستلهم أطروحات الخارج ويوظف البيئة المحلية الحاضنة.   
التحول نحو العمل المسلح وتأسيس الكيان: يتطرق المحور بانتقالية واضحة إلى التحول الجذري والخطير بقيادة حسين بدر الدين الحوثي، الذي نقل الحركة من طابعها الثقافي والتعليمي المحدود إلى بنية تنظيمية مسلحة وعقائدية صارمة. ويرصد الكتاب كيف أدى هذا التصعيد إلى صدام مبكر ومفتوح مع الدولة، تجسد في خوض الجماعة لست حروب طاحنة ومتتالية في محافظة صعدة ومحيطها بين عامي 2004 و2010م، نجحت من خلالها الحركة في فرض نفسها كقوة عسكرية وكيان مذهبي موازٍ لمؤسسات السلطة الرسمية.   

2. الظاهرة الحوثية في أعقاب ثورة فبراير 2011م:
التمدد الجغرافي واستغلال الفراغ الثوري: يُحلل الكتاب بدقة متناهية مرحلة "التمدد والتوسع" الكمي والنوعي التي انتهجتها الجماعة مستغلة حالة الضعف والهشاشة التي أصابت مؤسسات الدولة عقب اندلاع الثورة الشعبية اليمنية في فبراير 2011م. ويبيّن كيف توغلت عناصر الحركة جغرافياً وبسطت نفوذها المسلح خارج معقلها التاريخي في صعدة لتشمل محافظات عمران، وحجة، والجوف، عاكفةً على فرض واقع سياسي وميداني جديد بالقوة وتحت غطاء شعارات مظللة مثل تسمية "أنصار الله".   
الازدواجية السياسية وموقفها من التسوية: يُسلط المؤلف الضوء على التناقض الصارخ والموقف المزدوج الذي تبنته القيادة الحوثية إزاء مسار التسوية السياسية الوطنية والمبادرة الخليجية ومؤتمر الحوار الوطني. ففي الوقت الذي كانت فيه الحركة تشارك بصورة براغماتية لقطف المكاسب السياسية وحجز مقاعد التمثيل، كانت ترفض أسس التوافق الوطني وتعرقل تنفيذ مخرجاته، ما يعكس استراتيجيتها المزدوجة في الجمع بين المناورة السياسية تحت قبة الحوار واستمرار العمل العسكري الميداني لفرض شروطها الأحادية.   

3. الدور الإيراني والدعم الجيوسياسي:
الامتداد الأيديولوجي وتصدير الثورة: يفرد المؤلف هذا المحور خصيصاً لبيان وحفر الأبعاد العميقة للتدخل الإيراني في الشأن اليمني الداخلي، معتبراً طهران هي المحرك الرئيسي والداعم الاستراتيجي الأبرز للأزمة الحوثية برمتها. ويوضح الكتاب كيف سعت القيادة الإيرانية إلى استغلال التقاطع المذهبي والسياسي لدمج الحركة ضمن مشروعها الإقليمي الأوسع الرامي إلى "تصدير الثورة" وتوسيع مناطق النفوذ الجيوسياسي في الخاصرة العربية عبر وكلاء محليين.   
أشكال الدعم اللوجيستي والإعلامي والعسكري: يحلل الكاتب الأدوات والوسائل المتعددة التي استخدمتها إيران لدعم الحوثيين، والتي شملت الدعم المالي الضخم، والتدريب العسكري عبر خبراء حزب الله اللبناني، إلى جانب الدعم اللوجيستي وتوفير شبكات تهريب الأسلحة المتقدمة والصواريخ النوعية عبر السواحل البحرية. ويؤكد التحليل أن هذا الدعم المتكامل هو الذي يفسر قدرة الحركة على الصمود العسكري الطويل وتحدي مؤسسات الدولة اليمنية، نافياً الادعاءات القائلة بأن الحركة تعتمد كلياً على إمكاناتها الذاتية البسيطة. 

ثانياً: القراءة النقدية والمضامين التحليلية

ثانياً: القراءة النقدية
تكتسب القراءة النقدية لكتاب «إيران والحوثيون.. مراجع ومواجع» أهمية مضاعفة نظراً لقدرته العالية على سبر أغوار الظاهرة الحوثية وتفكيك بنيتها الفكرية والتنظيمية من منظور تحليلي استقصائي. ومع ما قدمه الكتاب من إضافات توثيقية بارزة ومهمة في رصد مراحل التحول الخطيرة التي مرّت بها الحركة، إلا أن قراءة محتواه تتطلب منهجية علمية مزدوجة توازن بين الإشادة بقوته التوثيقية والتحليلية وبين الوقوف عند بعض الملاحظات المنهجية وزوايا النظر التي تحكمت في مسار الطرح، مما يمنح الباحثين رؤية متوازنة وشاملة لتقيیم قيمة الكتاب العلمية والتاريخية.

1. القوة التوثيقية والتحليل الأيديولوجي
أجاد المؤلف ببراعة فائقة في تعقب المسار التحولي الدقيق للحركة الحوثية، مستجلياً بوضوح التداخل العقائدي والسياسي العابر للحدود بين جذور المذهب الزيدي الجارودي المترسخ في جبال صعدة وبين التأثر العقائدي والسياسي بنموذج "الثورة الخمينية" الإيرانية ونماذج "حزب الله" اللبناني. فقد نجح الباحث في إبراز هذا التلاحم الفكري دون إغفال الخصوصية المحلية، موضحاً كيف تم استيراد أدوات التعبئة والخطاب الثوري وتطويعها محلياً لتخدم مشروعاً سياسياً ذو أبعاد طائفية ومذهبية واضحة المعالم.
ولم يكتفِ الكاتب بمجرد سرد الأحداث المجردة، بل غاص في تفكيك الخطاب الديني والتوجيهات الأيديولوجية التي رسخها مؤسس الحركة حسين بدر الدين الحوثي في ملازمه ومحاضراته، مبدياً كيف جرى التأسيس لتعبئة نفسية وعقائدية تستعد للمواجهة الكبرى. هذا الربط المحكم بين المرجعيات الفكرية السابقة والواقع المعاش أضفى على التحليل عمقاً موضوعياً، وساعد القارئ على إدراك الأبعاد الحقيقية الكامنة خلف الشعارات العامة التي ترفعها الجماعة في أدبياتها المختلفة.
كما شكّل هذا التأصيل التاريخي منطلقاً أساسياً لفهم طبيعة التغيرات البنيوية التي طرأت على الفكر الزيدي التقليدي نفسه، وكيف تعرض لعملية اختراق واحتواء من قِبل تيارات راديكالية جديدة سعت للعبور نحو السلطة مستغلة الغطاء المذهبي. ومن خلال هذه الزاوية، قدم الكتاب إضاءة نقدية عميقة تفسر كيف تحولت الحوثية من مجرد إطار ثقافي وتعليمي محلي إلى حركة عقائدية عابرة للحدود تتقاطع مصالحها الاستراتيجية مع المحور الإيراني الإقليمي.
توثيق الحروب الست والتصعيد:
أظهر الكتاب قدرة تحليلية فائقة واستثنائية على تفكيك جولات الصراع المسلح الست العنيفة التي دارت بين الدولة والحوثيين بين عامي 2004 و2010م، مقدمًا سرداً تفصيلياً لأسباب اندلاعها وتطور مساراتها الميدانية. ولم يقتصر الجهد التحليلي هنا على رصد أرقام الضحايا والخسائر المادية الباهظة فحسب، بل امتد ليتتبع بدقة أسباب التوقفات الفجائية والهدنات المؤقتة التي كانت تفرضها القيادة السياسية في تلك المرحلة.
كشف الباحث بوعي سياسي عميق عن طبيعة الصراعات الخفية وحالة الهشاشة وضعف التنسيق داخل أجهزة النظام السابق ومراكز القوى المتنفذة، وكيف استغل الحوثيون تلك الثغرات الجوهرية في إدارة الصراع لترتيب صفوفهم، وإعادة التموضع، وتخزين كميات ضخمة من الأسلحة والذخائر. وأبرز الكتاب بوضوح كيف كانت كل جولة حرب تنتهي لصالح تعزيز قوة الحوثيين العسكرية وتوسيع قاعدتهم الجماهيرية، مما جعل من تلك الحروب محطات تراكمية لتثبيت أركان كيانهم الموازي.
علاوة على ذلك، سلط التحليل الضوء على التناقضات الرسمية والإعلامية التي رافقت إدارات تلك الحروب، مبيناً كيف أن غياب الرؤية الاستراتيجية الحازمة والشاملة لدى السلطات الحكومية أسهم في تحويل التمرد المحلي إلى ظاهرة عسكرية مستعصية يصعب احتواؤها بالطرق التقليدية. وبهذا التوثيق المحكم، وضع الكتاب القارئ أمام صورة حية ومتكاملة لطبيعة المواجهات التي مهدت طريق السيطرة لاحقاً.
كشف ازدواجية الخطاب السياسي:
أبرز الكاتب بمهارة وحنكة تحليلية بالغة تقاطع الرؤى وتعدد الأدوار لدى الجماعة الحوثية، مسلطاً الضوء على حالة "الفصام السياسي" التي تعتري سلوكها العام. فعلى السطح الإعلامي والسياسي، نجد الجماعة تتقن فن الخطاب المدني وتتحدث بلغة الحقوق، والمواطنة المتساوية، والدولة الديمقراطية لكسب التعاطف الجماهيري والتغطية على أهدافها الحقيقية، بينما تمارس على الأرض العكس تماماً بفرض سلطة الأمر الواقع بالقوة السليحة المطلقة.
وقد تجلى هذا التناقض الصارخ بأجلى عيانه من خلال الوثائق الفكرية والتأسيسية التي أصدرتها الجماعة، ولا سيما الوثيقة الفكرية الصادرة في عام 2012م التي كرست بوضوح المفهوم السلالي للطائفية والاصطفاف والولاية الإلهية. ويوضح التحليل كيف تسعى هذه الوثائق والممارسات الميدانية إلى نسف أسس الجمهورية والديمقراطية من خلال العودة تدريجياً إلى إحياء فكرة الإمامة بصيغ جديدة ومطورة تتناسب مع معطيات المرحلة الانتقالية.
بهذا الطرح النقدي الجريء، كشف الباحث عن الطبيعة البراغماتية والمخادعة لخطاب الحركة، مبدءاً تحذيراً مبكراً للمكونات السياسية والوطنية من خطورة الركون إلى الشعارات المدنية الشكلية التي ترفعها الجماعة. وأكد الكتاب أن هناك هوة سحيقة وثابتاً تناقضياً بين ما تعلنه الحركة في المحافل السياسية المفتوحة وما تضمره في مشاريعها التنظيمية الخاصة على الأرض.

2. المؤاخذات والملاحظات المنهجية
نظراً لأن الكتاب صدر في أصله عن مراكز بحوث ودراسات ذات خلفية فكرية محسوبة على التوجه الإسلامي (السني/السلفي)، فإنه يلاحظ بوضوح في ثنايا بعض فصوله غلبة النبرة التحذيرية المباشرة واستخدام نعوت التقرير العقدي الحاد. هذه اللغة الخطابية، وإن كانت تنسجم مع طبيعة الطرح التعبوي لمخاطر المشروع الحوثي، إلا أنها قد تُلقي بظلالها أحياناً على مستوى الحياد الأكاديمي الصارم والموضوعية المجردة في بعض التوصيفات الفكرية والمذهبية البحتة.
فقد مال المؤلف في مواضع عدة إلى إطلاق أحكام تقويمية قاطعة بحق المنهج الزيدي برمته أو ربطه كاملاً بالانحرافات الحوثية، دون إبراز كافي لحجم التباينات العميقة والرفض التاريخي الواسع الذي أبداه علماء ورموز المذهب الزيدي أنفسهم إزاء فكر وجرائم حركة الحوثي. هذا الدمج بين الفكر الزيدي التاريخي وبين التطرف الحوثي الحديث قد يعكس تأثراً بالخلفية الفكرية الناظمة لمؤسسة الإصدار، وهو ما يتطلب من القارئ نوعاً من التمحيص النقدي للفصل بين النقد العلمي الموضوعي وبين التحامل المذهبي.
رغم ذلك، لا ينقص هذا التحفظ من القيمة التوثيقية العالية للكتاب، بل يضع القارئ أمام ضرورة إدراك السياق الفكري والسياسي الذي أُنتج فيه العمل. إن فهم هذه الخلفية يساعد الباحثين على استثمار المادة التوثيقية الضخمة التي يقدمها الكتاب مع التعامل بحذر مع بعض التوصيفات العقدية المتشددة التي غلبت على لغة التناول في بعض محطاته.

التركيز المكثف على العامل الخارجي:
برغم الأهمية القصوى للعامل الإيراني ودوره الجوهري والمؤكد في تمويل وتدريب وتسليح الجماعة الحوثية، إلا أن الكتاب مال أحياناً إلى الإفراط في إعطاء وزن مطلق ومهيمن للتدخل الخارجي على حساب التعمق الكافي في البنية الاجتماعية والقبائلية الداخلية المعقدة في اليمن. فقد أغفل التحليل في بعض مفاصله استكشاف العمق المحلي للاستجابة الشعبية والقبائلية للحركة، مكتفياً برد الظاهرة برمتها إلى التصدير الإيراني والتخطيط الخارجي المسبق
إن هذا التركيز المفرط على البعد الإقليمي يحجب رؤية العوامل المحلية الهشة التي مثلت التربة الخصبة لنمو الحوثية؛ وفي مقدمتها ثقافة الحرمان، والتهميش الاقتصادي والتنموي المزمن، وغياب عدالة توزيع الثروة والسلطة، والشعور بالمظلومية التاريخية التي عانت منها مناطق شمال الشمال اليمني لعقود طويلة. لقد استغلت الحركة هذه الثغرات الاجتماعية ببراعة فائقة لتجنيد الأتباع واستقطاب القبائل، وهو جانب محلي اجتماعي كان يستحق وقفة تحليلية أعمق توازن بين الدافع الداخلي والمحرك الخارجي.
بناءً على ذلك، يبدو الطرح التحليلي في بعض جوانبه متأثراً بخطاب الدولة الرسمي والأطر الأمنية السائدة آنذاك التي كانت تعزي كل الأزمات الداخلية إلى تدخلات الخارج؛ مما جعل القارئ يفتقد أحياناً لتحليل سوسيولوجي متكامل لبنية المجتمع القبلي الزيدي وقدرته على إنتاج أو تقبل مثل هذه الحركات العنيفة بمعزل عن الدعم الخارجي المحض.

السياق الزمني المحدود (اللحظة التاريخية للكتاب):
صدر الكتاب وطُبع في أواخر عام 2012م، وهو ما يفرض إطاراً زمنياً محدداً ومحسوماً لمضامينه التحليلية؛ فهو يقف بامتياز عند حدود الإرهاصات الأولى والمبكرة لمرحلة ما بعد ثورة فبراير 2011م ومخرجات اللجنة التحضيرية لمؤتمر الحوار الوطني. وبالتالي، فإن الكتاب لم يعايش ولم يرصد التحولات العاصفة والدراماتيكية اللاحقة التي شهدتها اليمن، وعلى رأسها سقوط العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014م، والانقلاب المسلح الشامل، وتأسيس سلطة الأمر الواقع، وانطلاق "عاصفة الحزم" العسكرية عام 2015م.
هذه المحدودية الزمنية تعني أن الكتاب لا يمكن اعتباره قراءة شاملة للمآلات النهائية للظاهرة الحوثية، بل ينبغي توصيفه باعتباره وثيقة مرجعية تحليلية بالغة الأهمية لـ "تاريخ النشأة والتمدد الأولي". فهو يفسر ببراعة كيف تشكلت بذور الكارثة وكيف أُديرت مرحلة المخاض والفرص الضائعة لاحتواء التمرد قبل أن يتحول إلى سيطرة عسكرية تامة على مفاصل الدولة.
وعلى الرغم من أن الكتاب يقف عند عام 2012م، إلا أن قراءته اليوم تكتسب طابعاً نببوياً استشرافياً مذهلاً؛ إذ إن معظم التحذيرات والاستنتاجات التي خلص إليها الباحث بشأن خطورة التمكين للحركة ومخاطر تقاطعها مع المشروع الإيراني قد تجسدت بحذافيرها على أرض الواقع اللاحق، مما يثبت رصانة المنهج الاستقرائي الذي اعتمده المؤلف في دراسته.
ويظل كتاب أحمد أمين الشجاع مرجعاً استثنائياً لا غنى عنه لكل مهتم بالشأن اليمني والإقليمي؛ إذ تجاوز كونه مجرد توثيق تقليدي لمراحل الصراع الأولى ليقدم استشرافاً مبكراً ومذهلاً للمخاطر المتمثلة في تقاطع المشروع الحوثي مع الأجندة الإقليمية الإيرانية، مما يجعله وثيقة تحليلية رصينة تفهم من خلالها جذور الأزمة اليمنية الراهنة وتداعياتها المعاصرة.

إرسل لصديق

ما سيناريو المستقبل الأقرب لمسار الأزمة والتفاهمات بين السعودية والجماعة الحوثية؟

ما سيناريو المستقبل الأقرب لمسار الأزمة والتفاهمات بين السعودية والجماعة الحوثية؟