المركز العربي
للبحوث والدراسات
رئيس مجلس الادارة
عبد الرحيم علي

المدير التنفيذي 
هاني سليمان
ads
أ.د. زيزي إبراهيم البيلي
أ.د. زيزي إبراهيم البيلي

الدلتا الجديدة والنهر الاصطناعي ودور كليات علوم الثروة السمكية في تحقيق الاستدامة والاقتصاد الدائري

الأحد 13/سبتمبر/2026 - 06:42 ص
المركز العربي للبحوث والدراسات

في ظل ما تشهده مصر من نمو سكاني متواصل، وضغوط متزايدة على الموارد المائية، وتأثيرات مرتبطة بالتغيرات المناخية، إلى جانب ارتفاع الطلب على الغذاء، بات الأمن الغذائي مرتبطًا بقدرة الدولة على زيادة الإنتاج مع استخدام الموارد بكفاءة أكبر. ويتطلب ذلك رفع كفاءة استخدام المياه، والحد من الفاقد، والاستفادة من النواتج والمخلفات بوصفها موارد يمكن أن تولد قيمة اقتصادية جديدة. وفي هذا السياق، يبرز مشروع الدلتا الجديدة بوصفه أحد المشروعات القومية التي تعكس توجهًا يتجاوز مجرد استصلاح أراضٍ جديدة إلى بناء منظومة إنتاجية متكاملة تربط بين الأرض والمياه والإنتاج والتصنيع والبنية التحتية.

وتشير البيانات الرسمية إلى أن المساحة الإجمالية المستهدفة لمشروع الدلتا الجديدة تقدر بنحو 2.2 مليون فدان، وهو ما يضعه بين أكبر مشروعات التوسع الزراعي الأفقي في مصر. ومع ذلك، لا تقتصر أهمية المشروع على اتساع مساحته؛ إذ تبرز كذلك الفلسفة المائية التي يقوم عليها، والقائمة على تعظيم الاستفادة من الموارد المتاحة وإعادة استخدام المياه بعد معالجتها، بدلًا من التعامل مع المياه المستعملة باعتبارها موردًا انتهت فائدته.

عندما تصبح إعادة استخدام المياه جزءًا من الأمن الغذائي

يُستخدم إعلاميًا تعبير «النهر الاصطناعي» للإشارة إلى شبكة نقل المياه المرتبطة بالمشروع، بينما يتمثل الوصف الفني الأدق في منظومة واسعة تضم القنوات والمسارات الناقلة والمواسير ومحطات الرفع والمعالجة، وتهدف إلى إيصال المياه إلى مناطق الاستصلاح الجديدة. وتعد محطة الدلتا الجديدة لمعالجة المياه أحد المكونات الرئيسية لهذه المنظومة، وقد أشارت المصادر الرسمية إلى أن طاقتها التصميمية تصل إلى نحو 7.5 مليون متر مكعب يوميًا. كما أعلنت وزارة الموارد المائية والري في أغسطس 2026 عن أعمال ضمن منظومة الدلتا الجديدة لمعالجة المياه، تشمل 13 محطة رفع ومسارًا ناقلًا بطول 174 كيلومترًا لخدمة مساحات جديدة من الأراضي.

وتكشف هذه المنظومة عن مبدأ أساسي في الاستدامة: فالمياه لا ينبغي أن تدخل النظام الإنتاجي مرة واحدة ثم تخرج منه في صورة نفايات، وإنما يمكن، حيثما تسمح معايير الجودة والسلامة والتشريعات، أن تمر بدورات متتابعة من الاستخدام والمعالجة وإعادة الاستخدام. وقد وصفت وزارة الموارد المائية والري محطة الحمام ومشروع الدلتا الجديدة باعتبارهما خطوة مهمة في اتجاه تحقيق أهداف التنمية المستدامة ودعم الأمن الغذائي، مع السعي إلى تحقيق أعلى عائد ممكن من المياه المعالجة. ومن هنا يتسع المجال أمام المؤسسات العلمية والجامعات، ومنها كليات علوم الثروة السمكية والمصايد؛ فإدارة المياه، والاستزراع السمكي، والمعالجة البيولوجية، والتكنولوجيا الحيوية أصبحت جميعها عناصر رئيسية في أي منظومة حديثة تستهدف الاستخدام المستدام للموارد.

أما الدور الحديث لكليات علوم الثروة السمكية فلم يعد مقصورًا على دراسة الأسماك أو رفع إنتاجية المزارع السمكية، بل امتد إلى مجالات أوسع، من بينها إدارة المياه، والتكنولوجيا الحيوية، ومعالجة المخلفات، وصحة النظم المائية، وتطوير أساليب الاستزراع الذكي، وتكنولوجيا تصنيع المنتجات المائية، وتطبيق مبادئ الاقتصاد الدائري. لذلك يمكن أن تمثل الدلتا الجديدة مجالًا تطبيقيًا مهمًا لمشاركة الكلية من خلال مشروعات بحثية وطلابية وتكنولوجية تربط البحث العلمي باحتياجات المشروع ومشكلاته الفعلية. ويمكن تناول هذا الدور عبر مجموعة من المسارات المترابطة، من أبرزها:

أولًا: تطوير نظم الاستزراع السمكي المستدام

تستطيع الكلية تطوير نماذج للاستزراع السمكي تستهدف زيادة الإنتاج مع خفض استهلاك المياه والطاقة، والحد من الفاقد الغذائي والانبعاثات والمخلفات. وتأتي نظم الاستزراع السمكي المعاد تدوير المياه فيها (Recirculating Aquaculture Systems - RAS) في مقدمة التقنيات المناسبة لهذا التوجه؛ إذ تعتمد على معالجة المياه وإعادتها باستمرار إلى وحدات التربية بدلًا من التخلص منها بعد استخدام واحد. كما يمكن تطوير نظم متكاملة تجمع بين إنتاج الأسماك والنباتات (Integrated Systems)، مع دراسة الاستفادة من المغذيات الناتجة عن تربية الأسماك في إنتاج المحاصيل الزراعية. وبهذا يتحول ما قد يمثل عبئًا بيئيًا إلى مدخل إنتاجي جديد، بما يدعم الاستدامة ويحافظ على البيئة ويسهم في ترشيد استهلاك المياه.

ثانيًا: إعادة تدوير المياه وتكنولوجيا التنقية

يمثل مجال تكنولوجيا المياه أحد أهم مسارات المشاركة العلمية للكلية في الدلتا الجديدة؛ فالاستدامة المائية لا تتوقف عند نقل المياه، وإنما تتطلب فهمًا دقيقًا للتغيرات التي تطرأ على نوعيتها أثناء الاستخدام وإعادة الاستخدام، إلى جانب تطوير وسائل اقتصادية لمعالجتها ومراقبتها. ويمكن توجيه الأبحاث ومشروعات التخرج إلى تطوير واختبار المرشحات الحيوية لإزالة الأمونيا والمركبات النيتروجينية؛ وتقنيات النترجة ونزع النيتروجين؛ والمعالجة باستخدام البكتيريا النافعة؛ واستخدام الطحالب الدقيقة لامتصاص النيتروجين والفوسفور واسترداد المغذيات؛ والمواد الممتزة الحيوية (Biosorbents)؛ والأغشية ووسائط الترشيح المتطورة؛ والمعالجة الحيوية (Bioremediation)؛ والأراضي الرطبة الصناعية (Constructed Wetlands)؛ وأنظمة التطهير والمعالجة المتقدمة؛ فضلًا عن الحساسات الذكية للمراقبة المستمرة لجودة المياه وربطها بنظم الإنذار المبكر والذكاء الاصطناعي. ومن شأن ذلك أن يجعل الكلية بيئة مناسبة لاختبار حلول منخفضة التكلفة وقابلة للتصنيع محليًا، بما يقلل الاعتماد الكامل على تكنولوجيات مستوردة مرتفعة التكلفة.

ثالثًا: الانتقال من معالجة المخلفات إلى «تثمينها»

من أهم التحولات الفكرية التي يقوم عليها الاقتصاد الدائري التوقف عن النظر إلى كل ناتج غير رئيسي على أنه «مخلف» لا قيمة له. فالرؤوس والجلود والعظام والقشور والأحشاء الناتجة عن تصنيع الأسماك تحتوي على بروتينات ودهون ومعادن وجزيئات حيوية يمكن استخلاصها وتحويلها إلى منتجات ذات قيمة اقتصادية. وتشير الأبحاث العلمية إلى إمكانية الاستفادة من النواتج الثانوية للأسماك بوصفها مصادر للكولاجين والجيلاتين والببتيدات النشطة حيويًا والزيوت والمكونات الوظيفية وغيرها من المنتجات المستخدمة في الصناعات الغذائية والدوائية والتجميلية والمواد الحيوية. وهنا تستطيع التكنولوجيا الحيوية أن تحول مصنع تجهيز الأسماك من منشأة تنتج الغذاء إلى جانب كمية من المخلفات، إلى مصفاة حيوية (Biorefinery) تستخلص عدة منتجات من المادة الخام نفسها، بما يحقق قيمة اقتصادية أكبر مع تقليل كمية المخلفات إلى أدنى مستوى ممكن.

رابعًا: الكولاجين والجيلاتين البحري... من جلود الأسماك إلى منتجات عالية القيمة الاقتصادية

بدلًا من التخلص من جلود الأسماك وقشورها وعظامها، يمكن استخلاص مواد مثل الكولاجين والجيلاتين البحري منها بطرائق كيميائية وإنزيمية، مع تطوير تقنيات استخلاص أكثر استدامة. وقد تم تطبيق هذا التوجه بالفعل في كلية علوم الثروة السمكية من خلال عدد من مشروعات التخرج الطلابية والرسائل العلمية. ولهذه المنتجات تطبيقات بحثية وصناعية في مستحضرات التجميل، والمنتجات الغذائية، والمواد الحيوية، إلى جانب إمكانية تطوير تطبيقات طبية بعد استيفاء الاختبارات اللازمة للسلامة والنقاوة والفعالية.

ومن أمثلة مشروعات التخرج التي نُفذت بالفعل: «استخلاص الكولاجين من جلود الأسماك المحلية وتقييم خصائصه للاستخدام في مستحضرات التجميل»، و«إنتاج غشاء حيوي قابل للتحلل من جيلاتين الأسماك واستخدامه في التطبيقات الطبية أو تغليف الأغذية». وتمثل هذه التطبيقات وغيرها وسيلة عملية للحد من كمية المخلفات، وتعظيم الاستفادة منها، ودعم الاستدامة البيئية.

خامسًا: الببتيدات النشطة حيويًا باستخدام التحلل الإنزيمي

يمكن استخدام الإنزيمات لتحليل البروتينات الموجودة في النواتج الثانوية للأسماك وإنتاج متحللات بروتينية (Protein Hydrolysates) وببتيدات نشطة حيويًا (Bioactive Peptides). وبعد ذلك يمكن فصل هذه الببتيدات ودراسة خصائصها، سواء كمضادات للأكسدة أو الميكروبات أو من حيث أنشطة بيولوجية أخرى، تمهيدًا لتوظيفها في الصناعات الغذائية أو مستحضرات التجميل أو التطبيقات الطبية. ويعد هذا المجال مناسبًا بصورة خاصة للتكامل بين تخصصات تصنيع الأسماك، والكيمياء الحيوية، والميكروبيولوجي، والتكنولوجيا الحيوية، والنانو تكنولوجي.

سادسًا: مخلفات القشريات والكيتين والكيتوزان

عندما تشمل الصناعات السمكية الجمبري وغيره من القشريات، تصبح القشور الخارجية مصدرًا مهمًا لمركب الكيتين الذي يمكن تحويله إلى كيتوزان. ومن المهم هنا التمييز بين مخلفات الأسماك ومخلفات القشريات؛ فالقشور الخارجية للجمبري والسرطانات هي المصدر الصناعي الأكثر ارتباطًا باستخلاص الكيتين والكيتوزان. ويمكن توظيف التكنولوجيا الحيوية وعمليات التخمير والإنزيمات لتطوير طرق أكثر استدامة لاستخلاص هذه المركبات بدلًا من الاعتماد الكامل على الأساليب الكيميائية التقليدية. وقد نُفذت بالفعل عدة مشروعات طلابية في هذا المجال. وتنبع أهمية الكيتوزان من تعدد تطبيقاته الممكنة، ومنها معالجة المياه، والأغشية الحيوية، والتغليف، فضلًا عن بعض التطبيقات الطبية والصيدلانية والتجميلية بعد استيفاء المتطلبات الخاصة بكل استخدام.

سابعًا: تحويل عظام وقشور الأسماك إلى مواد وظيفية

تحتوي عظام الأسماك وبعض القشور على مكونات معدنية يمكن دراستها كمصادر لمواد مثل فوسفات الكالسيوم أو المركبات القائمة على الهيدروكسي أباتيت. وقد نُفذ بالفعل أحد المشروعات الطلابية داخل الكلية في هذا المجال، ويجري استكمال المرحلة البحثية على حيوانات التجارب. كما يمكن للبحوث التطبيقية دراسة تحويل هذه المواد إلى مركبات أو مواد ممتزة، أو تقييم توظيفها في تطبيقات حيوية وبيئية مختلفة، مع تحديد مستوى النقاوة والسلامة اللازم لكل استخدام. وبهذا لا يصبح العظم أو القشر نهاية لسلسلة الإنتاج، بل يمكن أن يكون نقطة بداية لسلسلة صناعية أخرى تجسد مفهوم الاقتصاد الدائري.

ثامنًا: الطحالب والكائنات الدقيقة كجزء من مصنع حيوي داخل منظومة المياه

يمكن أيضًا الاستفادة من الطحالب الدقيقة والكائنات الدقيقة النافعة في استعادة بعض المغذيات الموجودة في مياه الاستزراع. وبعد إنتاج الكتلة الحيوية، يمكن دراسة استخدامها، وفقًا لتركيبها ومدى سلامتها، في الأعلاف أو الأسمدة الحيوية أو بوصفها مصدرًا لمركبات عالية القيمة.

في النموذج التقليدي للإنتاج تسير العملية غالبًا في مسار خطي يبدأ بالمواد الخام، ثم إنتاج المنتج الرئيسي واستهلاكه، وينتهي بنواتج ومخلفات يجري التخلص منها. أما النموذج الذي تتبناه دول متقدمة، ومنها دول الاتحاد الأوروبي، والذي يمكن لكلية علوم الثروة السمكية دعمه في الدلتا الجديدة، فيقوم على استخدام أكثر رشادة للمياه في الإنتاج السمكي من خلال نماذج استزراع متكاملة. وفي هذا النموذج يكون الإنتاج السمكي هو المنتج الرئيسي، ثم تأتي مرحلة تصنيع المنتجات الغذائية، بالتوازي مع الاستفادة من النواتج الثانوية والمخلفات في عمليات إعادة التدوير والاستخلاص الحيوي للمركبات للحصول على منتجات جديدة، إلى جانب معالجة المتبقي وإعادة استخدام المياه والموارد. عندئذ تصبح كلمة «مخلفات» أقل حضورًا، لأن الفكرة الأساسية هي البحث عن أفضل استخدام ممكن لكل جزء من المادة الداخلة في سلسلة الإنتاج؛ وهذا هو جوهر الاقتصاد الدائري (Circular Economy). ولا يعني ذلك الادعاء بإمكانية التخلص الفوري من جميع النفايات، بل التحرك تدريجيًا نحو مفهوم صفر نفايات (Zero Waste)، أو الاقتراب منه قدر الإمكان، من خلال منع الفاقد، وإعادة الاستخدام، والتدوير، واسترداد المواد والطاقة، ثم توجيه المتبقي إلى أكثر طرق المعالجة أمانًا.

ولكي تنتقل هذه الأفكار من الأوراق البحثية إلى التطبيق، يمكن أن تكون مشروعات التخرج الطلابية إحدى الأدوات الرئيسية لدعم الدلتا الجديدة. فمن الممكن أن تُطرح سنويًا تحديات واقعية أمام الطلاب بالتعاون مع المزارع والمصانع ومحطات المياه، وأن تعمل عليها فرق متعددة التخصصات. وتشمل نماذج هذه المشروعات: تصميم وحدة RAS منخفضة التكلفة وموفرة للمياه؛ تطوير مرشح حيوي (Biofilter) باستخدام مواد محلية؛ إنتاج مادة ممتزة للملوثات من نواتج التصنيع السمكي؛ استخلاص الكولاجين البحري وتقييم خصائصه التجميلية؛ إنتاج ببتيدات نشطة حيويًا من بروتينات الأسماك؛ تحويل قشور الجمبري إلى كيتوزان لاستخدامه في تنقية المياه؛ تطوير نظام ذكي لقياس الأكسجين والأمونيا ودرجة الحموضة (pH) والملوحة، مع إرسال إنذار مبكر باستخدام إنترنت الأشياء والذكاء الاصطناعي؛ حساب البصمة المائية والكربونية لإنتاج كيلوغرام من الأسماك واقتراح وسائل لخفضها؛ وتصميم نموذج متكامل لمصنع أسماك يعمل وفق مفهوم صفر نفايات (Zero Waste). وقد نُفذ بالفعل عدد من المشروعات التي تتناول هذه الأفكار، كما يمكن تطوير مخرجاتها إلى منتجات أو شركات ناشئة، أو نقل التكنولوجيا الناتجة عنها إلى الصناعة. وهكذا يتحول الطالب من متلقٍ للمعلومة إلى مشارك في ابتكار حل لمشكلة حقيقية، ويصبح البحث العلمي أداة للتنمية، لا غاية مقتصرة على النشر.

ويتطلب نجاح هذا التوجه تعزيز التعاون بين الجامعة والقطاع الصناعي والجهات القائمة على المشروع. فالمزارع والمصانع هي الأقدر على تحديد المشكلات الفعلية التي تحتاج إلى حلول، بينما تمتلك الجامعة الباحثين والمعامل والطلاب، وتستطيع الجهات التنفيذية توفير المواقع والبيانات وبيئة التطبيق. ومن خلال هذا التكامل يمكن تأسيس برامج بحثية في الاستزراع المستدام، والمياه، والتكنولوجيا الحيوية، وتصنيع الأسماك، والاقتصاد الدائري، والذكاء الاصطناعي، والطاقة، والاستدامة البيئية. كما يمكن إنشاء مختبر حي (Living Lab) للاستزراع السمكي والاقتصاد الدائري، تُختبر فيه الحلول في ظروف شبه حقيقية قبل نقلها إلى المستوى التجاري.

كيف يصبح مشروع الدلتا الجديدة مشروعًا متكاملًا؟

لا ينبغي النظر إلى مشروع الدلتا الجديدة على أنه مجرد مشروع لاستصلاح الأراضي وزيادة الرقعة الزراعية؛ إذ يمكن أن يكون نموذجًا متكاملًا لإنشاء مجتمعات إنتاجية جديدة تربط بين الزراعة والإنتاج الحيواني والداجني والسمكي، إلى جانب التصنيع والتجارة والبحث العلمي والتعليم والسياحة، ضمن منظومة تنموية مستدامة تسعى إلى تحقيق أعلى استفادة ممكنة من الموارد المتاحة.

وتبدأ هذه المنظومة باستصلاح الأراضي وتنميتها زراعيًا، بالتوازي مع إنشاء مزارع نموذجية مستدامة للإنتاج النباتي والحيواني والداجني والسمكي، تُصمم على أسس علمية تتيح التكامل بين أنشطتها. فالنواتج المتبقية من أحد الأنشطة يمكن أن تصبح موردًا أو مدخلًا لنشاط آخر، بما يدعم الاقتصاد الدائري، ويخفض تكاليف الإنتاج، ويحد من الفاقد والتأثيرات البيئية، ويرفع كفاءة استخدام المياه والطاقة والأراضي. وإلى جانب الإنتاج الأولي، ينبغي أن تتوافر بالقرب من مناطق الإنتاج مشروعات للتصنيع الزراعي والغذائي، تشمل تصنيع المنتجات الزراعية والحيوانية والداجنة والسمكية وتعبئتها وحفظها. ويسهم ذلك في تقليل الفاقد المرتبط بالنقل والتخزين، ورفع القيمة المضافة للمنتجات، وتهيئة فرص لإقامة صناعات صغيرة ومتوسطة توفر وظائف جديدة لأبناء المجتمعات العمرانية التي ستنشأ حول المشروع.

ويمثل النشاط السمكي أحد المكونات المهمة التي يمكن إدماجها في هذه المنظومة، خاصة من خلال التوسع في نماذج الاستزراع السمكي المستدام والاستزراع التكاملي الذي يربط إنتاج الأسماك بالإنتاج النباتي، مع توظيف التقنيات الحديثة في إدارة المياه، وجودة البيئة المائية، والتغذية، والتفريخ، ومقاومة الأمراض، وتصنيع المنتجات السمكية. وفي هذا الإطار تستطيع كلية الثروة السمكية أن تؤدي دورًا محوريًا في دعم المشروع؛ ليس فقط بإعداد خريجين متخصصين قادرين على إدارة مشروعات الإنتاج السمكي الحديثة، بل أيضًا من خلال إنشاء مزارع ووحدات إنتاج نموذجية، وتنفيذ برامج تدريبية للعاملين والمستثمرين، وإجراء بحوث تطبيقية تستهدف المشكلات الفعلية التي تواجه مشروعات الاستزراع السمكي. ويمكن للكلية أن تتعاون مع الكليات والمراكز البحثية الأخرى في مجالات الزراعة، والطب البيطري، والهندسة، والبيئة، والاقتصاد، والتصنيع الغذائي، من أجل تطوير نماذج إنتاج متكاملة قابلة للتطبيق والتوسع.

ولا ينبغي أن تقتصر وظيفة المراكز البحثية المرتبطة بالمشروع على إجراء البحوث الأكاديمية التقليدية؛ فالدور المطلوب منها هو رصد المشكلات التي تواجه المشروعات الإنتاجية بصورة مستمرة، واقتراح حلول علمية لها، وتحسين نظم الإنتاج، وخفض التكاليف، ورفع الإنتاجية والجودة، واستحداث منتجات جديدة ذات قيمة اقتصادية مرتفعة. وعندئذ يصبح البحث العلمي جزءًا مباشرًا من دورة الإنتاج بدلًا من أن يكون نشاطًا منفصلًا عنها.

ويمكن كذلك دعم الجانب الإنتاجي ببعد تجاري وتسويقي متطور، من خلال إنشاء أسواق ومراكز لوجستية ومنافذ بيع ومراكز لتجميع المنتجات وتصنيفها وتعبئتها، وربط المنتجين مباشرة بالأسواق المحلية وأسواق التصدير. ويساعد ذلك على بناء سلسلة قيمة متكاملة تبدأ بالإنتاج وتنتهي عند المستهلك، مع احتفاظ المناطق المنتجة بنصيب أكبر من القيمة الاقتصادية للمنتج. ويمكن أن تضيف السياحة الزراعية والتعليمية بعدًا آخر للمشروع؛ إذ يمكن فتح المزارع النموذجية ومراكز الإنتاج أمام زيارات منظمة للسياح وطلاب المدارس والجامعات، لتصبح بعض مناطق المشروع نماذج حية للتعريف بالزراعة الحديثة، والاستزراع السمكي، والإنتاج الحيواني المستدام، والتكنولوجيا المستخدمة في إنتاج الغذاء. كما يمكن إنشاء متاجر ومراكز للزوار تعرض المنتجات المحلية والتذكارات المرتبطة بالمزارع والمنطقة، على غرار عدد من التجارب الأوروبية، ومنها التجربة الهولندية التي جمعت بين الإنتاج الزراعي المتطور والتعليم والترفيه والتسويق المباشر للمنتجات.

ومع نمو هذه الأنشطة، يمكن أن تتشكل حولها مجتمعات عمرانية متكاملة تضم الإسكان والخدمات والمدارس ومؤسسات التعليم الفني والجامعي والمراكز الصحية والتجارية والترفيهية، إلى جانب المراكز البحثية وحاضنات الأعمال والشركات الناشئة المرتبطة بالإنتاج الزراعي والغذائي والسمكي. وبهذا يمكن أن تنتقل الدلتا الجديدة من كونها مشروعًا لاستصلاح الأراضي إلى نموذج لبناء مجتمعات إنتاجية وعلمية وعمرانية جديدة، تتكامل فيها الزراعة والإنتاج الحيواني والداجني والسمكي مع الصناعة والتجارة والسياحة والتعليم والبحث العلمي. وفي هذه المنظومة تصبح الجامعات، ومن بينها كلية الثروة السمكية، شريكًا أساسيًا، بحيث يقاس نجاح البحث العلمي بقدرته على معالجة المشكلات الحقيقية التي تواجه المنتجين، وزيادة الإنتاجية، وتحسين جودة المنتجات، وتعظيم العائد الاقتصادي، مع الحفاظ على الموارد للأجيال القادمة.

وإذا كان «النهر الصناعي» يقدم مثالًا واضحًا على قدرة الدولة على نقل المياه ومعالجتها وإعادة توظيفها، فإن الخطوة التالية في مسار الاستدامة هي توسيع الفكرة لتشمل مختلف عناصر المنظومة الإنتاجية. فالاستدامة الحقيقية لا تقتصر على زيادة حجم الإنتاج، وإنما تقوم على إنتاج أكثر كفاءة وذكاءً، باستهلاك أقل للمياه، وهدر أقل، وقيمة مضافة أعلى.

إرسل لصديق

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟