المركز العربي
للبحوث والدراسات
رئيس مجلس الادارة
عبد الرحيم علي

المدير التنفيذي 
هاني سليمان
ads
مرﭬت زكريا
مرﭬت زكريا

تحولات عالمية...هل يمكن أن يتحول القطب الشمالي إلى شرق أوسط جديد؟

الإثنين 15/أبريل/2024 - 12:12 م
المركز العربي للبحوث والدراسات

كشفت بعض التقديرات عن إنه تقدر الموارد الطبيعية في منطقة القطب الشمالي  بحوالي 90 مليار برميل و1670 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي و44 مليار من النفط والغاز غير المكتشفة، الأمر الذى بإمكانه أن يحوله إلى شرق أوسط جديد من حيث الثروات الطبيعية الهائلة التي يمتلكها.  ومع زيادة ظاهرة الاحتباس الحراري التي أعقبها تكثيف ذوبان الجليد القطبي في العقدين الأخيرين، أصبحت منطقة القطب الشمالي واحدة من أهم المناطق من الناحية الجيوسياسية والجيواقتصادية.

وأدت هذه الأهمية إلى ظهور دور جديد لكافة القوى الكبرى بما في ذلك الصين والولايات المتحدة الأمريكية وروسيا فضلاً عن الاتحاد الأوروبي. ولكن قبل ذلك لم يكن القطب الشمالي سوى ملعب للسوفييت لإجراء مناورات بحرية وأيضا بيئة لنشر أنظمة الأسلحة الاستراتيجية كحدود بين الاتحاد السوفيتي وحلف شمال الأطلسي. ووفقًا لاتفاقية قانون البحار، تشمل حدود القطب الشمالي أجزاء من كندا وروسيا وألاسكا (الولايات المتحدة الأمريكية) وغرينلاند (الدنمارك) وأيسلندا والنرويج والسويد وفنلندا.

وهو ما تم على إثره تأسيس منظمة تتكون من ثمانية دول مجاورة لهذه المنطقة، تعرف باسم "المجلس الشمالي"، والتي تتعامل مع القضايا السياسية والاقتصادية والبيئية والسكان الأصليين لشعب القطب في المجال الحكومي الدولي. ويضم هذا المجلس 13 عضواً مراقباً ليس لهم حق التصويت بما في ذلك الصين، ويمكن تقديم هذه المنظمة على أنها البلورة الموضوعية للتوترات بشأن هذه المنطقة خلال الحرب الباردة.

وسيتم العرض فيما يلي لسياسات القوى الكبرى بشأن التحولات الجديدة في هذه المنطقة:

أولاً:  الولايات المتحدة الأمريكية

تتضح أول تجربة للولايات المتحدة الأمريكية في منطقة القطب الشمالي في تكليف الأسطول البحري الأمريكي الثاني عام 1950 وكذلك في عام 1976 باستكشاف هذه المنطقة. كما قامت واشنطن بالرد على  مناورات عسكرية سوفيتية في هذه المنطقة خلال فترة الحرب الباردة، لكن ضعفها في قوة المناورة في هذا المجال كان واضحاً.

وتمثل الإجراء الأهم من قبل الولايات المتحدة الأمريكية في هذا الإطار في عرض شراء جزيرة جرينلاند  من الدنمارك عام 1946 من قبل الرئيس الأمريكي السابق هاري  ترومان، والذي أعقبه إعادة العرض من قبل ترامب عام 2018. ووفقا لأحدث وثيقة منشورة من "الاستراتيجية الوطنية للولايات المتحدة لمنطقة القطب الشمالي"، والتي صدرت في أكتوبر 2022، يبدو أن هناك اهتمام من قبل السلطات الأمريكية بمنطقة القطب الشمالي في إطار المنافسة مع الصين. ونصت هذه الوثيقة على أن الولايات المتحدة الأمريكية تنوى الاستثمار في ثلاثة قطاعات أمنية، بما يتضمن الأمن البحري، والبنية التحتية الاقتصادية والمعيشية، والتعاون والحوكمة الدولية، وخاصة التعاون الأمني ​​مع مجلس القطب الشمالي من أجل تجنب حوادث مثل هجوم روسيا على أوكرانيا.

ثانياً:  روسيا الاتحادية

تعد روسيا  صاحبة أطول حدود على القطب الشمالي، ففي عهد الاتحاد السوفييتي كان نشاط هذه الدولة يعتمد فقط على القضايا العسكرية وإلى حد ما الاستكشاف، ولكن مع زيادة ظاهرة الاحتباس الحراري وذوبان الجليد القطبي واكتشاف الموارد الطبيعية لهذه المنطقة، وأخيرا المشاركة المتزايدة للصين كدولة قريبة من القطب الشمالي توسعت  أنشطة روسيا وشملت مجالات أخرى مثل العبور والنقل.

ففي عام 2017، ولأول مرة، تمكنت روسيا بنجاح من نقل شحنة من الغاز الطبيعي المسال بقيمة 300 مليون دولار من هامرفست النرويجية إلى ميناء بوريونج في كوريا الجنوبية باستخدام ناقلة كورية في غضون 19 يوماً، ويستغرق هذا الطريق وقتا أقل بنسبة 30٪ من الطريق التقليدي إلى كوريا الجنوبية أي قناة السويس.

وبسبب عضوية عضوين رئيسيين من منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في مجلس القطب الشمالي، وهما السويد وفنلندا، بالإضافة إلى التوترات بين الولايات المتحدة الأمريكية والدنمارك بشأن جزيرة جرينلاند، يبدو أن هناك تحديات جوهرية ستواجه روسيا مع زيادة اكتشاف الثروات الطبيعية في هذه المنطقة.

ثالثاً: الصين الشعبية

تعد الصين هي الحلقة المفقودة في العلاقات بالقطب الشمالي، فبالرغم من أن التوترات الرئيسية بين روسيا والدول الأعضاء في المجلس تشكلت منذ عامي 2008 و2011، إلا أن التعاون الاقتصادي غيّر نمط العلاقات من شكل الصراع على الأقل بين الطرفين، وأصبحت العلاقات بين أوروبا والصين ومن ثم أوروبا وروسيا قائمة على التعاون والصراع معاً.

ورغم نشاط الصين التاريخي في هذه المنطقة، إلا أن ذلك لم يلاحظ بشكل كبير إلا في عام 2013 حينما أصبحت بكين مراقباً معتمداً في مجلس القطب الشمالي، وخططها اللاحقة لربط المراكز الاقتصادية الرئيسية الثلاثة – أمريكا الشمالية وشرق آسيا وأوروبا الغربية – عبر الدائرة القطبية الشمالية. على أن يبدأ هذا الطريق من شمال الصين ويمر عبر سيبيريا إلى المحيط المتجمد الشمالي والقطب الشمالي ومن هناك إلى كندا وغرينلاند والدول الإسكندنافية. وتعد روسيا هي أكبر حليف للصين في هذا المشروع من خلال استخدامها للتكنولوجيا النووية لإذابة الجليد.

لكن  الجدير بالذكر، أن هذا المشروع الضخم أمامه عدة عقبات كبيرة، أولها هو بداية الأزمة في أوكرانيا، والتي قللت من التطوير في تنفيذ هذا المشروع. والمسألة الثانية أيضاً هي حذر الروس والصينيين من التعاون في بناء كاسحات الجليد النووية. فرغم أن أكاديمية العلوم العسكرية التابعة لجيش التحرير الشعبي (PLA) وشركة صناعة بناء السفن الصينية (CSIC) أعلنتا في عام 2018 عن خططهما لبناء أول كاسحة جليد نووية، لكن يبدو أن الروس حذرون  في نشر تكنولوجيا المفاعلات النووية. ونتيجة لذلك، على الرغم من أن روسيا كانت واحدة من الدول التي واجهت انخفاضًا بنسبة 100٪ في الاستثمار في مبادرة الحزام والطريق، لكن تواصل الصين الاستثمار في مشاريع القطب الشمالي وتملك حوالي 30% من مشروع يامال للغاز الطبيعي المسال.

ومن هذا المنطلق، ووفقا للصندوق العالمي للطبيعة تتضح أهمية ذوبان الجليد  القطبي في التأثير على عدة محاور رئيسية تتمثل في:

أ‌.        درجة الحرارة

يعد القطب الشمالي والقطب الجنوبي هما الأنهار الجليدية في العالم، ولأنها مغطاة بالثلج والجليد الأبيض الذي يعكس الحرارة إلى الفضاء، فإنها توازن بقية العالم الذي يمتص الحرارة. وبالتالي، فإن قلة الجليد تعني حرارة منعكسة أقل، مما يعني موجات حرارة أكثر شدة حول العالم، ولكنه يعني أيضاً فصول شتاء أكثر قسوة: نظرًا لأن التيار النفاث القطبي - وهي رياح عالية الضغط تجتاح منطقة القطب الشمالي - يتزعزع استقراره بسبب الهواء الأكثر دفئاً، فمن الممكن أن يهبط جنوباً، جالباً معه برداً قارساً.

ب‌.   المجتمعات الساحلية

ارتفع متوسط ​​مستوى سطح البحر العالمي بنحو 7 إلى 8 بوصات منذ عام 1900 وهو يزداد سوءاً، ويهدد ارتفاع منسوب مياه البحار المدن الساحلية والدول الجزرية الصغيرة من خلال تفاقم الفيضانات الساحلية وعرام العواصف وزيادة الظواهر الجوية الخطيرة. ويعد ذوبان الغطاء الجليدي في جرينلاند هو المؤشر الرئيسي لارتفاع مستوى سطح البحر في المستقبل، وإذا ذابت بالكامل، فقد يرتفع مستوى سطح البحر بمقدار 20 قدماً.

ت‌.   الغذاء

تتسبب الدوامات القطبية، وموجات الحرارة المتزايدة، وعدم القدرة على التنبؤ بالطقس بسبب ذوبان الجليد، في أضرار جسيمة للمحاصيل التي تعتمد عليها النظم الغذائية العالمية، ويكشف عدم الاستقرار هذا عن ارتفاع الأسعار وزيادة الأزمات بالنسبة للفئات الأكثر ضعفاً في العالم.

ث‌.   النقل

مع ذوبان الجليد، تنفتح طرق شحن جديدة في القطب الشمالي، هذه الطرق الموفرة للوقت مغرية، ولكنها خطيرة للغاية، لإنه سيكون من الصعب التعامل مع حطام السفن أو الانسكابات النفطية في المناطق التي يتعذر على أطقم الإنقاذ الوصول إليها.

وفي النهاية: يمكن القول أن سرعة ذوبان الجليد في القطب الشمالي من المتوقع أن يحدث تحولاً في العلاقات السياسية الاقتصادية العالمية قد تؤدى في مجملها إلى تحول هذه المنطقة إلى شرق أوسط جديد من حيث الصراعات القائمة بين أطرافه والثروات الطبيعية الموجودة به، والتكالب الدولي للسيطرة عليه.

إرسل لصديق

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟