المركز العربي
للبحوث والدراسات
رئيس مجلس الادارة
عبد الرحيم علي

المدير التنفيذي 
هاني سليمان
ads

أزمان الشغب والانتفاضات.. التأريخ للحمّى

الأحد 12/يناير/2014 - 06:01 م
المركز العربي للبحوث والدراسات
تأليف: ألان باديو * عرض د. محمود أحمد عبد الله*
يتساءل آلان باديو، مبدئياً، عن الأحداث التي مرت بها الجماعة العربية مؤخراً..أهى ثورة أم انتفاضة أم، وفق تعبيره، شغب تاريخي.  بالمعاينة المدققة لسنا أمام حدث يمكن وصفه بالثورة وفقاً للتعريفات الجاهزة، كما يصعب وصفه بالانتفاضة، ولا يوجد تعريف علمي دقيق يمكن الاحتكام إليه، ويعول عليه في رصدها. وربما لذلك وصف باديو ما حدث بالشغب التاريخي. 
 يقدم باديو في كتابه (120 صفحة عبر تسعة فصول.. الأول يرى فى الرأسمالية ظاهرة ثابتة، فيما يعرف في الفصول اللاحقة الشغب بصوره المختلفة) ثلاثة صور للشغب، تتوالى في فصول ثلاثة، يحمل كل فصل عنوان الصورة الممثلة:
1. الشغب الفوري immediate riot 
وفيه يتم تصوير المتظاهرين بنفس المصطلحات التي كانت تتداول في القرن التاسع عشر..عصابات وقطاع طرق ولصوص، أو بالأدق "طبقات خطرة" Dangerous classes. ويضرب مثلاً بالشغب الذي عاشته بريطانيا وقام به الشباب الزنجي الغاضب من قيام الشرطة البريطانية بقتل واحد من بنى جلدتهم. وقتها قام المثقفون بتأييد أعمال القمع التي قامت بها السلطات، بحيث رأوا في المتظاهرين من الشباب "حشد من المسلمين خصوم قيمنا". ويتساءل المؤلف.. ما قيمنا؟ ويراها في ثلاث: الملكية property، والغرب Occident والعلمانيةLaicism . وبطبيعة الحال فإن هذه القيم لا تصف حال هؤلاء الشباب الذين احتشدوا في وول ستريت. ولأنهم كذلك فلا مجال للتسامح معهم لاستخدامهم للعنف، فيما يمكن التسامح مع "جرائم المصرفيين والمختلسين من موظفي الحكومة التي تؤثر في حياة الملايين". ولم تقف قراءة المؤلف للموقف عند هذا الحد، بل يرى أن الصحافة والمثقفين لم يلتفتوا لموت الشاب الزنجي وركزت أقلامهم على العنف الذي جرى فى "وول ستريت"، إذ علينا، وفقا لرؤيتهم، أن نقف مع الشرطة كتفاً بكتف ضد العصابات واللصوص، لأن هؤلاء فقراء (لا ملكية لهم) نازحون من إفريقيا ( ليسم من الغرب) ومسلمون (ضد العنصرية).     
وبالنظر إلى هذا المثال البريطاني البارز يقدم المؤلف مفهومه للشغب الفوري، فهو لون من ألوان الشغب يحدث بين قطاع من السكان، ويسبق مرحلة من العنف ضد قهر الدولة. ويتسم بـ:
1. أن قادته ورأس حربته شباب يصطدمون مع قوى القانون والنظام. فالشباب، طوال التاريخ، هم قادة الشغب بما يمتلكونه من قدرة على الحشد والتحرك وامتلاك إمكانية ابتكار لغة واستراتيجيات. يستخدمون الطبول والنيران ويجرون عبر الشوارع الخلفية، يلقون الخطب، ويدقون الأجراس.
2. يحدث الشغب في محلة القائمين به. ولا يتخطى حدودها. وأثناء مرورهم يدمرون كل رموز الثروة التي يجدونها يومياً من سيارات ومحال وبنوك. ويحطمون في طريقهم كل ما يرمز للدولة.
3. لا ينتشر الشغب الفوري بالإزاحة بل بالتقليد والمحاكاة. وتحدث المحاكاة في المناطق المشابهة للمكان الذي جرت فيه أحداث الشغب. إنها حمى جماعية تجتاح المناطق الشعبية.
4. ينشأ بلا هدف سياسي ويتضامن أفراده مع جماعات الجريمة المنظمة لحظة الغضب.
2. الشغب المستتر:   latent riot
وهو نوع الشغب الذي يمارس، ليمنع الأشغال عن اكتمالها. وفيه أولاً: يرفع المتظاهرون شعار رحيل الشخص الذي يتظاهرون ضده. ثانياً، يعبر الناس عن رفضهم عبر خروج أعداد كبيرة من العمال الذين هم أعنف من رؤسائهم ويطالبون بمزايا أكبر. ثالثاً وأخيراً اختراع صور جديدة لأعمال الشغب، ورغم أنها ليست واسعة المدى لكنها تجهز لشغب أكبر. ومن صوره أن عمال منشأة يضربون عن العمل فيما يعلنون استمرارهم فيه. فهم يستعينون ببعض الناس الذين هم من خارج المنشأة وغير مسئولين عن العمل مثل المطرودين من العمل والطلاب والعاطلين، ويقوم هؤلاء الناس باحتلال الموقع معرقلين الإنتاج بالاتفاق مع العمال. ومع ذلك يرى باديو أن هذا العمل شبه شغبي لأسباب عديدة: أولاً: هو عمل يزدري الرأي الرجعي المعتاد الذي يرى أن شئون الموقع هي من مسئولية العمال وحدهم، ثانياً: يتحدى الحكم الأخلاقي الذي يقول بأن القيام بإضراب ثم ادعاء ممارسة العمل هو عمل غير أخلاقي. ثالثاً: هو عمل يجمع بين شيئين لا اجتماع بينهما وهما العمل والإضراب كلما صعدنا على سلم العنف. ورابعاً، أصحابه على استعداد لقدوم الشرطة. وأخيراً، يربط بين شرائح اجتماعية منفصلة، ويتجاوز التشظي الذي خلقته الدولة ونقابات العمال بين الناس. فاحتلال المطارات ووقف عمل المصانع تقوم به لجان أيا كان اسمها تجمع في تكوينها بين الطلاب والشباب والعمال والمطرودين من أعمالهم والمثقفين.
3. الشغب التاريخي historical riot
ويعرفه بأنه نتاج التحول من الشغب الفوري، الأكثر ميلاً للعدمية من أن يكون عملاً سياسياً، إلى الشغب قبل السياسي. ويضرب مثلاً بحالة الدول العربية التي مرت بالربيع العربي، فيلخص ملامحه في:
1. الانتقال من الحيز المحدود إلى اختيار موقع مركزي دائم، حيث يقيم المشاغبون فيه بشكل سلمي، مؤكدين أنهم باقون، حتى يحققوا مطالبهم. هذا الانتقال يحمل انتقالاً زمنياً، من زمن الشغب الفوري المحدود (إذ يمتد لأيام معدودة تصل لخمسة) إلى الشغب التاريخي طويل الأمد الذي قد يمتد لشهر أو أكثر.
2. الانتقال من الشغب بالمحاكاة كل على حدة إلى الشغب النوعي. الأول يجمع أهل منطقة واحدة فيما الثاني يجمع فئات متفرقة.. الطلاب، والعمال، والمثقفين مختلفي المشارب، وأسراً كاملة، وموظفين، ونساء، وضباطاً وجنوداً.  
3. من الضروري الانتقال من عبثية هجمات الشغب إلى اختراع شعار واحد يحتوي الأصوات المتخالفة: وهو "ارحل" وهو ما يوفر فرصة الظفر.  
إن ظهور هذا الشغب التاريخي هو إعادة ميلاد للتاريخ. فكم من السنوات مرت ولم يكن هناك شعب يقضي على سلطة مسلحة مركزية بيديه العارتين. كان آخر مظهر لها هو الثورة الإيرانية التي حدثت منذ اثنين وثلاثين عاماً، حين أطاحت الجماهير بالشاه الذي كان على غرار بن علي الذي ينظر إليه كرجل غربي وحداثي، ومثله تقوم البلاد الغربية بتمويله وتسليحه والإعجاب به. عندما تقوم حروب التحرر الوطنين والمبادرات الثورية، والانتفاضات الشبابية يصبح للتاريخ معنى ويتم تأييد الخيارات السياسية الجذرية.
لكن من الواضح أن التمرد العربي جاء على نقيض الشغب التاريخي البولندي أو الثورة الإيرانية، التي انتهت بسياق فكري عنيف ومتناقض، حيث جاء الشغب التاريخي العربي، ليفتح باب التاريخ مرة أخرى، ويضع الاحتمالات التاريخية، إلى حد أن انتصارها المبدئي سيحدد معنى مستقبلنا.  
من الملاحظ أن الشغب التاريخي لا يطرح بديلاً للسلطة التي أطاح بها. وهناك فارق هام للغاية بين الشغب التاريخي والثورة: فالثورة تمتلك موارد القدرة على الاستيلاء على السلطة. وهو ما  يبرر شكوى المشاغبين من أن النظام الجديد الذي يلي الإطاحة بالنظام القديم هو نظام مشابه لسابقه.
وتحت عنوان الشغب والغرب يأتي الفصل الخامس، ليقدم علاقة الغرب بالشغب العربي التاريخي. حيث يرى المؤلف تعارضاً بين التصور الذي يروجه الغرب وإعلامه وما يحمله معناها الحقيقي على أرض الواقع التاريخي. ذلك أن الإعلام الغربي يرى الشغب العربي شغباً يسعى للحرية، بكل تجلياتها في الحياة الاجتماعية، حرية سياسية بتداول السلطة، حرية اقتصادية بنظام سوق لا تتدخل فيه الدولة، وحرية تعبير لا تسيطر فيها الدولة على وسائط المعرفة والإعلام. هذا التصور الغربي للحدث العربي يمهد لتحويله إلى حدث إصلاحي حين يؤول إلى انتخابات نزيهة ودستور جديد، أي أن يكون المآل هو الحلم بالنموذج الغربي في ممارسة السياسة. 
إن الرضا بالآليات التقليدية للتغيير معناه استيعاب العرب في عباءة الغرب. فالوضع برأي المؤلف يتجاوز ذلك، فالديمقراطية المأمولة ليست ديمقراطية نيابية، بل ديمقراطية جماهيرية تمكن الجميع من التواجد، دون تمييز على أساس نوعي أو سلالي أو عرقي أو ديني. أي أن المؤلف ينحاز للمفهوم الماركسي؛ مفهوم ديكتاتورية الجماهير. هنا لا يزال المؤلف مقيداً باللحظة الفرنسية في القرن التاسع عشر، إذ يجعلها هي المرجع للحظة العربية الراهنة، فيما هي تتجاوز ذلك.
إن ما يخشاه المؤلف هو السقوط في عباءة الغرب، وفي عباءة اللامسئولية والعبث والعدم، وفي ولادة نظام قمعي من رحم الثورة، لا يقدم الثورة، بل يحيي النظام القديم ويؤسس لذاته عبر آلياته.
ثمة ما يجعل هذه المخاوف قائمة طالما أن الشغب التاريخي بلا قيادة تنظيمية قادرة على وضع الحلول الناجزة للأزمات، وطالما أن اللحظة الراهنة لا تزال تستدين حلولها من الغرب، لا من المغايرة المبدعة الجسور التي تصنع توافقاً وطنياً سلمياً. والملاحظ أن التيارات الثورية، أو التي ترى نفسها كذلك، بقياداتها العجوز، لا تمتلك خيالاً ثورياً معاصراً، ينهي الحالة الراهنة، فالناصريون لا يزالون أسرى النموذج الناصري، والسلفيون يدينون أنفسهم بالسلف الصالح، والإخوان يرهنون خطابهم بالسلف تارة وبالعصر العباسي أخرى، بينما يحبس الليبراليون أنفسهم داخل اللحظة الليبرالية السابقة على ثورة يوليو، والماركسيون يباركون الإنجاز الماركسي. هذه التيارات جميعها تحاول إعادة إنتاج التاريخ، بينما كانت اللحظة التاريخية فارقة، تنتج ذاتها من تاريخها الثوري الخاص، من داخل ميدان التحرير رمز الثورة والتمرد عبر التاريخ المصري الحديث.
وفي الفصل السادس المعنون بـ"الشغب والحدث والحقيقة"، يواصل المؤلف تأكيده على انفصال الشغب العربي، في طموحاته، عن الغرب، ومعاداته، فالشعارات التي رفعها المتظاهرون في التحرير غاب عنها لفظة "ديموقراطية"، بل يلوح اسم الدولة مصر، فيما يشي بالرغبة في استعادة الوطن المنهوب من سارقيه، وهو ما يدل على نهاية العبودية للغرب وإسرائيل، نهاية الفساد والظلام. فالشغب حدث رمزي، جرى في بقعة معينة، عبر حضور عدد كبير من الناس، حشود تصل لملايين ترمز للوطن ككل. هذه الحشود معاً، باختلافها وتنوعها، تلغي بالضرورة حقيقة الوجود العددي للشعب. إن تقدير هذه الحشود بالأرقام يلغي تنوعها واختلافها، ويلغي رمزيتها، كجماع للوطن. وفي الآن ذاته فهذه الحشود حضور للعدم. هؤلاء الناس الذين غابوا عن المشهد العام، لم يكونوا شيئاً مذكوراً، ومن خلال هذا الحدث التاريخي تحول عدمهم لوجود وحضور، أصبحوا حقيقة منظورة لها إرادتها العامة.
في الفصل السابع المعنون بـ"الحدث والتنظيم السياسي"، يتحدث المؤلف عن ضرورة وجود تنظيم للشغب التاريخي، تنظيم سياسي يتسم بثلاث سمات: الكثافة التي تفصل بين المشاركين والرافضين، والتكريس، حيث يكرس المناضل نفسه للتنظيم ولممارساته، واتخاذ موقع للتظاهر، حيث يتم احتلال مواقع عديدة. ويلخص المؤلف رؤيته في هذا الفصل على النحو التالي:
1. وجود المعدمين متحقق بقوتهم. فالقوة تجعل للعدم حضوراً في العالم.
2. هناك ضرورة للتعريف بمن هم في محل العدم، وتحديد المظالم التي يعانون منها.
3. الشغب التاريخي هنا هو سعي لأن يكون للعدم حضور أصيل، أهمية في العالم الذي يحيا فيه.
4. ينهض العمل السياسي للشغب التاريخي على ثلاث صور للتغيير: كثافة الحضور التي تتطلب التواجد بكثافة للمستبعدين، والاختزال حيث إن من يحضرون الحدث هم رمز يختزل كياناً أكبر منهم، فهم يمثلون غيرهم ممن لم يحضروا، ثم اتخاذ موقع، حيث يتم اختيار موقع رمزي أو أكثر من موقع معين. 
5. الظهور المتحقق بالوجود في موقع واضح للعيان هو معيار أصيل، يمنح المستبعدين وجوداً غاب عنهم. هذا الظهور للعدم يقلب القواعد المعتمدة التي تخول للبعض حق الوجود في العلن، ويلغي آخرين. فالوجود في مكان معين لا يتطلب إظهار القوة ولا الوجود العددي بالملايين، بل القدرة على السيطرة الرمزية على المكان.  
6. يقترن الشغب التاريخي بالوجود المكثف، وهذا الوجود علني لا مجال لنكرانه.
7. إن وجود تنظيم سياسي أو ضابط لحدث التظاهر، هو أداة تحول الفكرة المجردة إلى فعل. هذا التنظيم له لحظته التاريخية التي تحتاج لالتفات جمعي، لحظة تتجاوز الانقسامات.
8. التنظيم السياسي هو وسيلة الحفاظ على خواص الحدث من تكثيف واختزال واتخاذ موقع، حين يفقد قوته. هذا التنظيم يخترع زمناً جديداً يستمد سماته من الحدث، زمناً يعلن بدايته خارج نظام الأشياء المستقر سلفاً.
وفي الفصل الثامن يحاول المؤلف أن يؤسس لأسباب الشغب في الغرب. فيخصصه برمته حول الهوية. وبالتحديد يركز على علاقة الدولة بالفرد. فالدولة تؤسس للفرد وجوده، وهي التي تنفيه، وتجعله عدماً. ذلك أنها تضع معياراً للهوية؛ أي تحدد مجموعة من السمات المعيارية التي يمكن على أساسها التمييز بين أفراد متحققين وآخرين في قيد العدم والغياب. حيث يمكن التمييز بين المواطن الفرنسي وغير الفرنسي عبر تمييز الأول بعدد من الملامح: أن يكون علمانياً، شجاعاً، من أبناء الحضارة المسيحية، غير منضبط، أقل جدية من المواطن الألماني، أكثر انفتاحاً من المواطن السويسري، أنشط من الإيطالي، وغيرها من الخصال.  كما تضع الدولة الحلول الناجزة التي على أساسها تحول المواطن إلى مستبعد وفاقد لحقوق المواطنة. من هذه الحلول اللجوء لرفض الوثائق الرسمية، رفض العلاج في المستشفيات العامة، سوء المعاملة في المراكز الشرطية، منع النساء من ارتداء ما يحلو لهن من ملبس، على نحو ينتج في نهاية المطاف هوية شبحية للفاعلين.   
ما يريد المؤلف التأكيد عليه في هذا الفصل أن الشغب التاريخي هو نتاج طبيعي للرغبة في تجاوز ما تقوم الدولة من فرض لهوية بعينها، دون القدرة على التوحيد بين الهويات المتعددة. فالدستور الفرنسي لعام 1793 ينص على اعتبار أي غريب يتبنى طفلاً أو يطعم مسناً، هو شخص يتمتع بالحقوق التي يتمتع بها المواطن الفرنسي. وهو بهذا يضفي صفة المواطنة على أي فرد يتمتع بالخصال الإنسانية، من تراحم وحب وتسامح. ويستشهد بذلك المشهد المصري الذي اصطف فيه المسلمون والأقباط، المحجبات وغير المحجبات، المثقفون والعمال، الشباب وكبار السن. فهو مشهد إنساني، يتجاوز الهوية الجامدة، القالب المعد سلفاً للتمييز، وفرض الهيمنة والتقسيم القسري.     
وفي الفصل التاسع والأخير يلخص المؤلف رؤيته الفكرية للشغب التاريخي. ثم يستفيض في شرح دلالته، إذ يعتبره الحقيقة السياسية التي هي عبارة عن سلسلة من النتائج المتعاقبة، الناتجة عن فكرة محورية وحدث شعبي كبير، يمتاز بسمات القوة والاختزال والالتزام بمكان محدد، وهو الذي يستبدل قوة الهوية المعلبة والتوصيفات الجاهزة بقوة التعدد النوعي. 
فهو يعتبر الشغب حقيقة تاريخية في حين أن السائد في الفلسفة السياسية صعوبة الجمع بين السياسة والحقيقة..أن يمتلك أي طرف الحقيقة المطلقة، فالذي يوجد لدي الفاعلين السياسيين هو محض آراء قابلة للدحض والنقاش. فساد اعتقاد بأن الادعاء بامتلاك الحقيقة مرتبط بالقمع والنخبوية. فيما يرى المؤلف أن التاريخ يعيد نفسه، يعاود الميلاد مرة أخرى، بصورة جديدة تتغذى مع ما استقر من تصورات. ففي اللحظة الثورية يتولد فهم بأن هناك حقائق سياسية، والعمل السياسي هو نضال للتمييز بين الحق والباطل. فالحقيقة هنا هي جزء من عمل الفعل البشري، وليست خارجة عليه، أو ملحقة به. فالحقائق ليست خارج الواقع، بل هي الواقع ذاته.
كذلك فإن هذا الحدث الشعبي يحمل فكرة جماعية "نحن معا، متحدون، بيدنا مصيرنا التاريخي، الذي نتجاوز به اختلافاتنا الثقافية والاجتماعية، وبذلك نحقق لذواتنا وجودها". هذه الفكرة يترتب عليها نتائج عقلانية محددة: وقت انعقاد الانتخابات، أن يضمن الدستور الحقوق الاجتماعية، اتخاذ اجراءات تصب في صالح الفقراء، وغيرها من المترتبات.
كذلك يتسم الحدث الشعبي بالقوة، والقوة تعني معنى الحماسة التي لا تكل، حتى تحقق الهدف الذي قامت من أجله. هذه الحماسة مقرونة بحالة غضب عارم. هذا الغضب العارم هو الذي يعطي للجماهير طاقة الاستمرار، الطاقة التي تحولهم من فاعلين غير مؤثرين إلى فاعلين معتبرين، وعند هذه اللحظة تنتهي فاعليتها وتختفي. 
ويرتبط مفهوم الشغب بالحشود، لا بالطبقات، بالوجود النوعي والمتفرد للناس، بوجود ما يطلق عليه المؤلف اصطلاح الأقلية الواسعة a massive minority، وهو بذلك يميز بين مفهومين.. الطبقات والحشود. الأول مفهوم "بارد" يتطلب تحليلاً طبقياً هو صناعة ابتكرتها الطبقة البرجوزاية، والثاني مفهوم نوعي، يمتاز بالانفلات والتعدد.

* ولد آلان باديو بالرباط (المغرب) في 17 يناير 1937. وهو أحد أشهر الفلاسفة الفرنسيين وأبرزهم، كتب روايات ومسرحيات عديدة، فضلاً عن أنه مناضل سياسي، يصنّف ضمن أقصى اليسار، وقد درّس الفلسفة بالجامعات الفرنسية وبعدّة معاهد وكليات. ومن أعماله الفلسفية: نظرية التناقض 1975، الكائن والحدث 1982، بيان الفلسفة 1989، العدد والأعداد 1990، بيان الفلسفة الثاني 2009، وله عدّة أنشطة في مجال البحث الفلسفيّ والأدبيّ.
*مترجم وخبير بالمركز القومى للعلوم الجنائية، والكتاب صادر عن دار نشر  versيوليو 2012 .

إرسل لصديق

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟