جرائم الكراهية في فضاءات الوسائط الرقمية: قراءة نقدية في التنظيم الدستوري والتشريعي الأردني
السبت 07/نوفمبر/2026 - 10:24 م
يشهد الفضاء الرقمي المعاصر تحولات عميقة ومتسارعة أعادت تشكيل بنية الاتصال الإنساني، ليتحول إلى ساحة مفتوحة لتداول الأفكار والخطابات، غير أنه في المقابل بات حاضنة كبرى لظواهر مقلقة تتصدرها جرائم الكراهية والتحريض على النعرات العنصرية والطائفية. وفي ظل هذا الاشتباك الراهن بين حرية التعبير الرقمي ومقتضيات الاستقرار السلمي والمجتمعي، تكتسب الدراسات القانونية والدستورية أهمية بالغة بوصفها أدوات لضبط التوازن الدقيق بين صون الحريات العامة وحماية السلم الأهلي. وفي هذا السياق، تبرز الدراسة الأكاديمية المحكمة الموسومة بـ "جرائم الكراهية في المنصات الرقمية والإعلام الجديد: التنظيم الدستوري والتشريعي في التشريع الأردني"، والتي أعدها فريق بحثي مكون من الدكتورة أمل يوسف الرفوع، والدكتورة جيهان خالد الزعبي، والدكتور أشرف فاتحي الرأي، والدكتور محمد عبد الله السليمان الوريكات، ونشرتها مجلة "دراسات: العلوم الإنسانية والاجتماعية" بالجامعة الأردنية (المجلد 53، العدد 10، 2026)، لتشكل مساهمة فكرية وتشريعية رصينة تسبر أغوار هذه الإشكالية المعقدة، وتقدم تفكيكاً نقدياً للمقاربات القانونية المعتمدة في مواجهة العنف الرقمي.
تنطلق الدراسة من إشكالية محورية تتمثل في كيفية معالجة المشرع الأردني لجرائم الكراهية المرتكبة عبر المنصات الرقمية والإلكترونية، وتحديداً في ظل صدور قانون الجرائم الإلكترونية رقم (17) لسنة 2023. وقد اعتمد الباحثون (أمل يوسف الرفوع، جيهان خالد الزعبي، أشرف فاتحي الرأي، ومحمد عبد الله السليمان الوريكات) منهجية علمية متكاملة تزاوج بين المنهج الوصفي لاستكشاف مفهوم جرائم الكراهية، والمنهج التحليلي لفحص النصوص القانونية الحاكمة لها، وصولاً إلى المنهج الاستنتاجي لاستخلاص النتائج وتقديم مقترحات تشريعية توازن بحكمة بين قمع خطاب الكراهية وصون حق التعبير الدستوري. وقد خلصت الدراسة إلى نتائج لافتة، أبرزها أن المشرع الأردني وإن كان قد أتى بنص خاص يعالج جرائم الكراهية عبر المنصات الرقمية في قانون الجرائم الإلكترونية الحديث، إلا أنه أخفق في تقديم تعريف تشريعي دقيق ومحدد لمفهوم "جريمة الكراهية"، مما يفتح باباً واسعاً للتأويل والاجتهاد القضائي، فضلاً عن رصد قصور مجتمعي يتمثل في نقص الوعي العام بخطورة هذه الجرائم وتداعياتها الوخيمة على النسيج الاجتماعي.
من منظور نقدي تحليلي، تلامس هذه الدراسة جوهر أزمة التشريعات الرقمية في عالمنا العربي، حيث غالباً ما تتحرك المنظومة التشريعية بردود أفعال متسارعة لمواجهة الانفلات الرقمي دون تأصيل مفاهيمي واسترشاد فلسفي دقيق يحدد التخوم الفاصلة بين النقد الفكري أو السياسي المشروع وبين التحريض الممنهج على الكراهية. إن غياب التعريفي التشريعي الدقيق لجرائم الكراهية لا يمثل ثغرة شكلية، بل يشكل إشكالية بنيوية قد تفضي – إذا أُسيء تطبيقها – إلى تقييد حرية الرأي والتعبير تحت يبرر محاربة التطرف الرقمي. ومن هنا تنبع أهمية التوصيات التي ساقتها الدراسة، والتي دعت بصراحة إلى ضرورة إعادة صياغة المادة (17) من قانون الجرائم الإلكترونية الأردني لتحديد الأفعال المكونة للجريمة بدقة تامة، مع إطلاق برامج وطنية شاملة لنشر الوعي الثقافي والمجتمعي بمخاطر إثارة النعرات العرقية والطائفية عبر الإنترنت، عبر شراكة فاعلة تضم المدارس والجامعات والمنصات الحوارية.
ختاماً، تؤكد هذه الدراسة أن مواجهة جرائم الكراهية الرقمية لا تقتصر على العصا الأمنية والتشريعات العقابية وحدها، بل تتطلب وعياً حقوقياً ومجتمعياً يدرك أن فضاءات الإنترنت يجب أن تظل مساحات للحوار الخلاق والتبادل المعرفي العقلاني لا خنادق للتجييش والتحريض. إن بناء دولة المواطنة الحديثة في العصر الرقمي يفرض على المؤسسات التشريعية والأكاديمية والبحثية – وفي مقدمتها المراكز الفكرية والبحثية – مواصلة الاشتباك النقدي مع هذه الظواهر المستجدة، صوناً للتماسك المجتمعي وحفاظاً على حرية الإنسان وكرامته وعقله من أسر الاستقطاب الرقمي الأعمى.

