المركز العربي
للبحوث والدراسات
رئيس مجلس الادارة
عبد الرحيم علي

المدير التنفيذي 
هاني سليمان
ads
مرﭬت زكريا
مرﭬت زكريا

ارتدادات غزة ....كيف حاولت الصين إبراز ذاتها كقوة عظمي في الشرق الأوسط؟

الإثنين 08/يناير/2024 - 10:45 ص
المركز العربي للبحوث والدراسات

لطالما كان الشرق الأوسط بهوياته وأنماطه الهشة مسرحاً للمواجهة بين القوى الكبرى من أجل تحقيق مصالحها، بينما توراى الحضور البريطاني وبرز نظيره الأمريكي في المنطقة، دخلت الصين كمنافس قوى. وفي هذا السياق، أدت عملية طوفان الأقصى التي شنتها حركة حماس تجاه إسرائيل في السابع من أكتوبر لعام 2023 إلى إيجاد اصطفافات جديدة على الساحة الدولية، وحاولت الصين إبراز ذاتها كقوة عظمة عابرة للإقليم.

أقامت الصين علاقات دبلوماسية كاملة مع فلسطين منذ عام 1989، ومع إسرائيل منذ عام 1993، ولكن بعد اندلاع الأزمة الأخيرة في غزة، وعلى الرغم من الضغوط الأمريكية، تحاول الصين إظهار نهج معتدل. ولهذا الغرض، ومع بداية الأزمة، أرسل الرئيس الصيني شي جين بينغ مبعوثه إلى الشرق الأوسط "تشاي جون" إلى دول الشرق الأوسط، وأعرب عن أمله في تنفيذ خطة حل الدولتين  وإنشاء ممر إنساني لمساعدة قطاع غزة، ثم وصف وزير الخارجية الصيني قصف المدنيين في غزة بأنه أبعد من نطاق الدفاع عن النفس وتجنب إدانة حماس.

وسيتم فيما يلي العرض لبعض المحددات التي من شأنها تفسير السلوك الصيني تجاه الأزمة في غزة، وكيف حاولت أن تعلب دوراً جديداً بالمنطقة يؤهلها لأن تكون القوة العظمى الأولي في العالم مستقبلاً:

أولاً: تقديم عرض الوساطة

أبدت الصين منذ بدء الأزمة استعدادها  للتنسيق مع الدول الأخرى في المنطقة، للسعي من أجل التوصل إلى حل شامل وعادل للقضية الفلسطينية، وأن الحل الرئيسي للصراع المتكرر بين فلسطين وإسرائيل هو الحل السلمي، بما يتضمن  حل الدولتين لتشكيل دولة فلسطين المستقلة وتحقيق نوع من التعايش  السلمي بين الطرفين. وهو ما انتقدت على إثره كل من واشنطن وتل أبيب بكين بسبب عدم إدانتها لحماس، ولكن تمسكت الصين بموقفها ورفضت إصدار قرار من مجلس الأمن في هذا الشأن، حتى لا تكون هناك حلقة مفرغة من المواجهة بين تل أبيب وفلسطين.

وفي كل الأحوال، حاولت الصين تقديم ذاتها كقوة مسالمة ومحايدة في النظام الدولي في الأزمات الدولية، وتتبنى مواقف غير تدخليه، وهو ما اتضح من خلال أزمة غزة التي سعت من خلالها رسم مسار مختلف عن الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الذين دعموا إسرائيل بشكل مطلق. وجاء ذلك في جزء منه على خلفية رغبة بكين في الحفاظ على مصالحها بالمنطقة؛ حيث تعد الصين من أبرز الشركاء التجاريين لدول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ويتم توفير نصف واردات الصين من النفط من دول الخليج العربي، ووصل حجم التجارة هذا العام مع العالم العربي إلى 420 مليار دولار.

ثانياً: الحد من تفاقم الصراع

ركزت مبادرات الصين بشأن حل الصراع بين تل أبيب وفلسطين على مجالات واسعة مثل تنفيذ حل الدولتين، ومعالجة القضايا الإنسانية، ومنع الصراع من أن يصبح إقليمياً. ولهذا السبب، امتنعت الصين عن استخدام عبارة "إرهابي" و"هجوم إرهابي" لوصف هجوم حماس، أو وصف انتقام إسرائيل من العقاب الجماعي للمدنيين الفلسطينيين، وهو ما يظهر معارضتها للهجوم البري الإسرائيلي على غزة من ناحية ورغبتها في الحفاظ على مصالحها بالمنطقة مع كافة الأطراف من جانب آخر.

 ويتسق ذلك مع  سياسة الصين التجارية بالمنطقة والقائمة على إحداث توازن في علاقتها الاقتصادية مع كل من إسرائيل والعرب القول إن الصين أقامت دائماً معادلة من التوازن بين التجارة مع إسرائيل وعرب المنطقة، ففي الوقت الذى بلغت فيه حصة إيران من إجمالي تجارة الصين البالغة 3,296 مليار دولار مع العالم في 9 أشهر من عام 2020 نسبة 0.34% فقط، فإن تجارة الصين مع دول مثل العراق (23 مليار دولار)، والمملكة العربية السعودية (49.2 مليار دولار)، وعمان (13.59 مليار دولار)، وإسرائيل (18.66 مليار دولار). و تظهر هذه الأرقام أن الصين ترغب في أن تكون الشريك التجارى الأول لجميع دول المنطقة  فقط.

ثالثاً: تعزيز الشرعية على المستوى العالمي

تدرك الصين جيداً أن دعمها لغزة من الممكن أن يساهم في تعزيز شرعيتها على المستوى الدولي، ولاسيما في دول العالم الثالث التي تشكل القاعدة الشعبية الأهم لدعم فلسطين، وبالتالي فإن الحرب على غزة تشكل قضية تستطيع الصين استغلالها لحشد الدعم لقيادتها في العالم النامي. والتشكيك في موقف الولايات المتحدة الأمريكية الأخلاقي في النظام الدولي وإزاحة هذه الأخيرة من مكانتها كحكم بلا منازع في النزاعات الدولية؛ حيث أن تراجع مكانة واشنطن  الدولية قد يشكل انتصاراً في حرب "القوة الخطابية" من خلال الاستفادة من التعاطف مع الفلسطينيين في مختلف أنحاء العالم.

وكذلك، يمكن لأزمة غزة أن توفر فرصة لتحقيق الاستقرار في العلاقات بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، والشاهد على ذلك هي الزيارة التي قام بها وزير الخارجية الصيني إلى واشنطن عقب عملية طوفان الأقصى لمحاولة إيجاد نوع من الاستقرار في العلاقات الثنائية وحل الخلافات مع الولايات المتحدة الأمريكية. فرغم من أن الصين والولايات المتحدة الأمريكية قد بدأتا العديد من المفاوضات لتحقيق الاستقرار في العلاقات الثنائية من قبل، إلا أنها تعرضت للتوقف في عام 2018، لذلك كانت أزمة غزة بمثابة علامة على عملية استئناف المفاوضات بين البلدين. وخلال هذه الرحلة، أكد الجانبان أن العالم يحتاج إلى علاقة عامة مستقرة بين بكين وواشنطن، ثم التقى بايدن وشي على هامش القمة الاقتصادية لآسيا والمحيط الهادئ في سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا.

وفي النهاية: يمكن القول أن  حاجة الصين لتعزيز علاقتها  الاقتصادية مع دول المنطقة يجبرها على الابتعاد عن  تبنى نهج أحادي في أي صراع إقليمي في الشرق الأوسط. وبالتوازي مع ذلك، ورغم أن الصين ترغب في ملء الفراغ الناجم عن تراجع الدور الأمريكي بالمنطقة، إلا أنها لا ترغب في الدخول بمواجهة مباشرة مع واشنطن في المنطقة تحت أي ظرف. وتدرك بكين أنها إذا أرادت الاستفادة من الموارد الطبيعية الوفيرة في المنطقة، فيجب أن تصل هذه الجغرافيا إلى سلام واستقرار نسبيين، ولهذا السبب دخلت هذا الصراع الجديد كلاعب سلمي، بالنظر إلى أنها لن تسمح بالمساس بمصالحها في المنطقة، الأمر الذى يكشف عن عدم رغبتها في توسيع الصراع بالمنطقة.

 

إرسل لصديق

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟