المركز العربي
للبحوث والدراسات
رئيس مجلس الادارة
عبد الرحيم علي

المدير التنفيذي 
هاني سليمان
ads
مرﭬت زكريا
مرﭬت زكريا

لماذا تستمر الصين في استيراد النفط الإيراني؟

الإثنين 08/يوليو/2019 - 07:03 م
المركز العربي للبحوث والدراسات

فشلت قمة العشرين التي استضافتها مدينة أوساكا اليابانية ومحادثات فيينا في 27-28 يونيو/حزيران لعام 2019، في تخفيف حدة التوتر الموجود بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية على خلفية الخروج الأمريكي من الاتفاق النووي مع دول (5+1)، وما ترتب عليه من تداعيات سلبية بالنسبة للاقتصاد الإيراني. لكن تتمسك دول مثل الصين وروسيا في دعم إيران على الرغم من العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها.

حيث تستمر الصين في شراء النفط الإيراني، في طريق أخر للالتفاف على العقوبات الأمريكية وتحدي واشنطن، على خلفية الحرب التجارية الدائرة بين الطرفين. كما تعد مبيعات النفط الإيراني لدول مثل روسيا والصين جزءاً كبيراً من جهود إيران لمقاومة حملة "الضغوط الكبيرة" للعقوبات المالية التي أطلقتها الولايات المتحدة الأمريكية بعد انسحابها من خطة العمل المشتركة الشاملة.

 ومن هنا أشار بعض الباحثين إلى دوافع استمرار بكين في استيراد النفط الإيراني التي تتمثل في؛ انخفاض سعره وتوافره بالكميات المطلوبة، تحدى الصين لواشنطن في إطار الحرب التجارية فيما بينهم، فضلاً عن سعي بكين لتكون أحد الأطراف الفاعلة داخل الساحة السياسية والاقتصادية في الشرق الأوسط، وهو ما سنحاول توضيحه فيما يلي: -

أولاً- انخفاض سعر النفط الإيراني وتوافره

حاولت طهران بعد الخروج الأمريكي من الاتفاق النووي مع دول (5+1) الحفاظ على المشتريين الحاليين للنفط، سيما تلك القادرين علي تحدى الولايات المتحدة الأمريكية والمستوردين لكميات كبيرة من موارد الطاقة المتاحة لديها بعد فرض الحزمة الثالثة من العقوبات الأمريكية على مبيعات النفط الإيراني مما أدي تصفير صادراته وتدهور الوضع الاقتصادي. كما قامت الإدارة الأمريكية الحالية بسحب الاعفاءات الممنوحة لثماني دول تمثلت في (الصين، الهند، اليابان، تركيا، إيطاليا، اليونان، كوريا الجنوبية وتايوان)، التي كان مسموح لها بتجارة النفط مع طهران.

تنتج الجمهورية الإيرانية الإسلامية ما يعادل 2.5 مليون برميل نفط يومياً، وعليه اضطرت طهران لتخفيض سعر النفط، فضلاً عن المساهمة في نقله بكل السبل الممكنة إلى الدول المستوردة له، على خلفية انخفاض صادرات إيران من النفط الخام انخفاضًا كبيرًا في مايو/أيار لعام 2019 مقارنة بشهر أبريل من العام ذاته، كما أن الهبوط كان بنسبة كبيرة وصلت إلى أكثر من مليوني برميل في اليوم الواحد1 .

وعليه، اضطرت طهران لاتخاذ بعض الإجراءات اللازمة لحماية صادراتها النفطية مثل تخفيض السعر وتسهيل التعاملات التجارية مع الدول المستوردة له؛ على خلفية الأهمية الكبيرة التي يحتلها النفط كمصدر هام من مصادر الدخل القومي الإيراني.  كما بدأت فئات كثيرة داخل المجتمع الإيراني في تصدير شعورها بالضيق نتيجة الارتفاع الكبير في أسعار بعض المنتجات الأساسية وعلي رأسها الأدوية نتيجة ارتفاع سعر الدولار في مقابل العملة الإيرانية (الريال) الذي انخفضت قيمته بنسبة كبيرة خلال الأشهر الأولي من عام 2019 2.

ثانياً- الحرب التجارية بين واشنطن وبكين

تخوض الولايات المتحدة الأمريكية حرباً اقتصادية مع أكثر من دولة تتمثل في روسيا، إيران، تركيا لكن على رأس هؤلاء توجد الصين؛ حيث بدأت الحرب التجارية بين الولايات المتحدة الأمريكية وبكين على خلفية إعلان واشنطن فرض رسوم جمركية على عدد من واردات الصين اليها. كما تعتبر الصين المنافس الاقتصادي الأكبر بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، وتعد النموذج الأوضح لأبرز القوى الأسيوية الصاعدة، بما تسبب في قلق كبير بالنسبة لواشنطن.

ويشير بعض المحللين إلى أن السبب الرئيسي في الحرب الاقتصادية بين البلدين يتمثل في تخلي الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" عن نهج سلفه "باراك أوباما" فيما يتعلق بالاقتصاد العالمي القائم على التعددية وتحرير التجارة العالمية، ومن ثم يعتبر "ترامب" واشنطن الصين خطراً يهدد اقتصادها على المدي المتوسط والطويل 3

وعليه، بدأت الإدارة الأمريكية بفرض رسوم جمركية على واردات الحديد والألومنيوم القادم لواشنطن من الصين؛ حيث تم فرض 25% على واردات الحديد و10% على الألومنيوم، فضلاً عن فرض رسوم جمركية على واردات بضائع صينية تتخطي قيمتها الـ 60 بليون دولار كوسيلة للحد من الاستثمار الصيني داخل الولايات المتحدة الأمريكية. كما تعد الرسوم الجمركية فرص للانتقام من الصين على خلفية السرقة الفكرية والعلمية التي تقوم بها بكين فيما يتعلق بالمنتجات الأمريكية في مجال التقنيات و التكنولوجيا4 .

ثالثًا- رغبة بكين في تعزيز نفوذها بالشرق الأوسط

تحتاج الصين إلى الشرق الأوسط في الفترات المقبلة بصورة كبيرة علي عدد من الأصعدة؛ يتمثل أهمها في الحفاظ على التدفق النفطي اللازم للنمو الاقتصادي المتزايد لدي بكين، فضلاً عن رغبتها في وجود دور سياسي في منطقة قيد التشكل من جديد، خاصًة في ظل التنافس الروسي الأمريكي فيما يتعلق بإحكام السيطرة علي أكبر عدد من دول هذه المنطقة.

في السياق ذاته، يشير عدد من المحللين إلى أفول القوة الأمريكية، أو بمعني أخر تراجع مصادر هذه القوة بما يجعلها غير قادرة على الوفاء بالتزاماتها على المستوى الدولي، الأمر الذي من شأنه أن يخلق فراغ كبير بالطبع ستسعى دول أخري صاعدة لمحاولة ردئه يأتي على رأسها الهند، الصين وروسيا؛ حيث ظلت القوي الغربية هي المسيطرة على العالم خلال السبعين عاماً اللاحقة على الحرب العالمية الثانية، وظهر ذلك لدى فرنسا، بريطانيا ثم الولايات المتحدة الأمريكية. وتأكلت هذه المكانة مع ظهور الاتحاد السوفيتي في منتصف الخمسينات من القرن الماضي، لكن سرعان ما تراجع ذلك وعادت القوي الغربية إلى مكانتها.

ومع أحداث الربيع العربي في عام 2011  انقسم الرأي العام الأمريكي حول جدوى التدخل في أزمات الشرق الأوسط، سيما في الأزمة السورية، كما صوت مجلس العموم البريطاني ضد تدخل بلاده في أي عمل عسكري داخل سوريا مما جعل الفرصة سانحة لتدخل دول مثل روسيا و الصين التي وجدت في الشرق الأوسط مجالاً لإبراز قدرتها السياسية و العسكرية و بالفعل بدأت بعض دول المنطقة و علي رأسها الدول الخليجية في تقوية علاقاتها بهذه القوي الصاعدة، سيما فيما يتعلق بالمجال الاقتصادي و التكنولوجي الذي من شأنه أن يؤدي فيما بعد إلي تعاون سياسي5 .

من ناحية أخرى، تمتلك الصين الشعبية عدد كبير من المقومات اللازمة لتصبح بمثابة قوة كبري منافسة للولايات المتحدة الأمريكية؛ فبالنظر إلى القوة البشرية، يبلغ عدد سكان الصين ثلاثة مليارات وثلاثمائة مليون نسمة بما يوازى أربعة أضعاف سكان واشنطن، كما تتمتع بكين بحدود جيوسياسية هامة؛ تجاور روسيا وبعض جمهوريات الإتحاد السوفيتي سابقاً من الشمال، أفغانستان وباكستان من ناحية الغرب، واليابان من جهة الشرق، بورما وتايلاند من الجنوب، كما تحظي الصين بالمرتبة الثانية من حيث الانفاق العسكري بعد الولايات المتحدة الأمريكية6 .

ختاماً: ترغب الصين في الحفاظ على العلاقة الوثيقة التي تربطها ببعض دول الشرق الأوسط وأبرزها إيران؛ حيث عارضت بكين فرض العقوبات الاقتصادية الأمريكية إحادية الجانب علي طهران سيما فيما يتعلق بمجال موارد الطاقة بشكل عام والنفط بشكل خاص.

كما تحاول من ناحية أخري إبراز قدراتها المتصاعدة في المجال الاقتصادي في خضم المنافسة الشرسة والحرب التجارية الجارية مع الولايات المتحدة الأمريكية. بالتزامن مع رغبة دول الشرق الأوسط أيضًا في التقرب من الصين، خاصًة في ظل الاستراتيجية المتبعة بعدم التدخل في شئون الدول الأخرى، على العكس تماماً من السياسة التي تتبعها واشنطن في المنطقة، لذا، تحاول الإدارة الأمريكية الحالية الحد من النجاح الصيني على الصعيد التكنولوجي والاقتصادي.

الهوامش

1.      Tom Whipple, Steve Andrews, Peak Oil Review: 17 June 2019, Resilience, available at :

https://www.resilience.org/stories/2019-06-17/peak-oil-review-17-june-2019/.

2.      العقوبات الأمريكية علي إيران إلى أي مدي تؤثر على أسعار النفط، 25/4/2019، BBCعربي، متاح على الرابط التالي:

 http://www.bbc.com/arabic/middleeast-48029754.

3.      من ينتصر في الحرب التجارية بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، 12/3/2019، عربي TRT، متاح على الرابط التالي:

https://cuturl.in/r4II

4.      رانيا فزاع، كل شيء عن الحرب التجارية بين الصين وأمريكا، 9/4/2018، اليوم السابع، متاح على الرابط التالي:

 https://cuturl.in/KSjsaD

5.      على الدين هلال، الشرق الأوسط... بين التراجع الأمريكي وصعود قوي التغيير العالمي، 2019، أراء حول الخليج، متاح على الرابط التالي:

 http://araa.sa/index.php?view=article&id=3612:2015-12-28-07-51-14&Itemid=101&option=com_content.

6.      التنافس الصيني الروسي على القارة الأفريقية، 1/6/2018، رؤية تركية، متاح على الرابط التالي:

إرسل لصديق

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟