المركز العربي
للبحوث والدراسات
رئيس مجلس الادارة
عبد الرحيم علي

المدير التنفيذي 
هاني سليمان
ads

الذكاء الاصطناعي: رؤية مغايرة

الأحد 02/أبريل/2017 - 04:20 م
المركز العربي للبحوث والدراسات
د. محمود عبد الله

ظلت قضية الذكاء الاصطناعي موضوعاً لاهتمام كثير من المهتمين بعالم التكنولوجيا والأعمال، بل ويتخطى الأمر مداه فيكون موضوعاً لدراسات فلسفية واقتصادية، ولأعمال فنية وروائية وسينمائية. وتتردد ذات الأسئلة الملحة بشأن الأثر المحتمل لها، والإمكانيات التي يتيحها، والمآزق التي سيخلقها. كيف يستطيع الذكاء الصناعي حل المشكلات الحالة التي يواجهها البشر في الراهن، ومن الذين سوف يتضررون من وجوده. كذلك كيف يمكن أن تطرح الأسئلة الأخلاقية، بشأن أخلاقيته، وتبعاتها، وآثارها. ما أخلاق الكيانات الذكية، سواء أكانت مكونات خفيفة؛ كالبرامج، أو صلبة كالروبوت والسيارات بدون سائق. هل يمثل هذا التقدم الهائل في دراسات الذكاء الاصطناعي فائدة للبشرية بحق أم أن المسألة لا تعدو فقاعة استعراضية لنبلاء الفضاء الإليكتروني الجدد. وكيف لقاطني وأبناء العالم الثالث أن يفيد من هذه التقنيات الجديدة.

وفي الواقع، إننا نجد أشكالاً عديدة للذكاء الصناعي ممثلة في أشكال لينة مثل التطبيقات والبرامج الإليكترونية، وأشكال صلبة مثل الإنسان الآلي والسيارات دون سائق والساعات الذكية، وغيرها من الأدوات. ويطلق عليها جميعاً اصطلاح "وكلاء الذكاء الاصطناعي". وهي في الواقع تحل تدريجياً محل العمال والموظفين، وتقوم بالوظائف التي كانت تعتبر فيما سبق وظائف لا يطالها التقدم التكنولوجي، وظائف يصعب الاستغناء عن البشر فيها، مثل فهرسة الصور، وترجمة الوثائق، وتفسير الأشعة السينية، واستخراج معلومات جديدة من مجموعة ضخمة من البيانات. وبقدر ما تلغي هذه التقنيات وظائف قديمة فإنها ستحتاج موظفين من نوع جديد، كالوسطاء الجدد، الذين يديرون العمل عن بعد أو من يتولون مراجعة الترجمات الآلية، لجعلها أكثر دقة ومصداقية. باختصار، إن الآثار لا تتصل بأعمال بعينها لكنها توسع الطريق أمام مهن قادمة، وتحيل إلى التقاعد عمال وموظفين لم يعد هناك حاجة لدورهم.

        وبالطبع ليس الأمر بهذا السوء الذي تفترضه بعض الأدبيات من آثار قاسية يفرضها دخول "الرقمنة" والذكاء الصناعي لحياتنا. فالواقع هناك ميزات عديدة. فمثلما عهدنا في الماضي من أن دخول آلات جديدة يؤدي بالضرورة إلى انتهاء عهد مهن مستقرة. فتحديث الانتقال بظهور السيارات مثلاً قد أدى بالضرورة إلى الاختفاء التدريجي لوسائل المواصلات التقليدية، وظهور المترو قد أدى بالضرورة إلى التراجع الملحوظ لأهمية وسائل نقل أخرى.

        ومن الفوائد الملحوظة للذكاء الاصطناعي هو قدرته على تقديم المنتجات الثقافية بوجه خاص على نحو أسرع مما مضى بكثير. فيما مضى كانت عملية الكتابة بحد ذاتها والنشر تستغرق وقتاً هائلاً، الآن تغير الحال تماماً، وأصبح الأمر أكثر سرعة، ولكنها تعتمد على قدرات الأفراد وحسن استعمالهم للآلة. إن حسن الاستعمال مسألة هامة وبخاصة بالنسبة لواقع بيروقراطي بطيء وردئ كالذي نعيشه في بلادنا. وطالما كان الموظفون غير أكفاء في استعمال الآلة، ولا توجد بيئة عمل متناسبة مع التقدم التكنولوجي، بيئة عمل محمية بلوائح إدارية صارمة تحول دون الاستعمال غير السليم للآلة. ولعل تجربتنا الحالية في إدخال الرقمنة تشهد على ذلك. فعلى الرغم من دخول الحاسب الآلي للجهاز البيروقراطي المصري، إلا أن ذلك لم يسهم بالضرورة في تسريع العمل، والتلبية الفورية لاحتياجات المواطنين. فالقيم التي تحملها الآلة الجديدة مغايرة تماماً للقيم السائدة في الجهاز البيروقراطي. فقيم المبادرة والابتكار وسرعة الانجاز والدقة المتناهية والشفافية والتلبية الفورية، والإتقان، هي قيم مغايرة تماماً لما يجري في القطاع البيروقراطي، حيث تسود قيم عدم الابتكار خوفاً من الخطأ، والاعتماد على المركزية، والبطء المتناهي في الإنجاز، وعدم الشفافية، وعجز الجمهور عن الوصول لوسيلة ناجعة للشكوى والاحتجاج.

        إن الفوائد المتحصلة يمكن التأكيد عليها بالنظر إلى الترجمة الآلية التي أصبحت شديدة التقدم، وبالذات بالترجمة بين اللغات اللاتينية، وظهور برامج جديدة للترجمة، تساعد المترجمين والجمهور في التفاعل عبر شبكات الاتصال الاجتماعي، أو مطالعة أحدث الصحف الإليكترونية الصادرة في بلدان العالم، أو مشاهدة أحدث الفيديوهات من خلال النصوص الملحقة المترجمة إلى عدة لغات، تتفاوت قيمتها بحسب انتماء اللغة المترجم إليها إلى اللغات اللاتينية من عدمه. ثمة آمال كبيرة معقودة عليها، حيث يمكن لها أن تيسر التواصل الفعال بين جنسيات متنوعة، ويمكن أن يؤدي ذلك لمزيد من التفاعل الخلاق في كافة جوانب الحياة المعاصرة: التبادل الاقتصادي بين صغار المنتجين والموزعين، التبادل الثقافي بين المفكرين والمبدعين المتباعدين.

إن لهذه التقنية فوائد عظيمة، خاصة إذا لبت الطلب على المعرفة دون أن يؤدي وجودها لخلق صراعات أوسع نتيجة الاختلاف. ودون استثمار هذه التقنية فيما يدعم مزيد من التواصل الشعبي العابر للحدود، بما يقضي على القوى المتسلطة من فرض هيمنتها، يصبح لهذه التقنية آثار قاسية على قيمة التسامح والتبادل الحر للأفكار. وبطبيعة الحال، فإن التأثير الثقافي والسياسي للترجمة الرقمية أوسع بكثير من مجرد تداول المعارف المستحدثة بالنسبة للمتخصصين والخبراء. فالجمهور العام يمكنه التأكد من مصداقية المعلومات التي تقدمه له حكوماته المحلية، ومقارنة ما يحصل عليه من معلومات وما يوجد في العالم المحيط به، ومقارنة التجارب المحلية بنظيرتها العالمية، مقارنة تتصل بالحياة اليومية، مقارنة للدخول، وسبل الإنفاق، والأذواق والجماليات، وطرق التواصل الجمعي، وآليات الترقي الاجتماعي، وإلى غير ذلك من مجالات الحياة.

        والواقع أن الدعاية التي تقدم حول الذكاء الاصطناعي هي صورة من صور الدعاية الرائجة للسلع الحديثة. لا يعدو الأمر أكثر من دعاية يراد من ورائها تفريغ المجال أمام السلع الرقمية الجديدة. ولأضرب مثلين يبينان لنا أن الأمر لا يعدو كونه محاولة دؤوب تشبه التبشير بعالم شديدة المغايرة لما نعيشه. المثل الأول هو مثل برنامج ألفا جو، المصمم لممارسة لعبة تسمى جو. هذا البرنامج استطاع هزيمة شخص يعتبر من أعلى المصنفين المحترفين الممارسين للعبة المذكورة. وذلك بالفوز ببطولة تتألف من خمس مباريات بنتيجة أربعة إلى واحد. وهو ما حديث من قبل عندما قام الكمبيوتر ديب بلو بهزيمة بطل العالم للشطرنج جاري كاسباروف. في المقابل نجد نموذجاً نقيضاً. برنامج تايلور المصمم للرد على الرسائل المرسلة من الشباب الذين تتراوح أعمارهم ما بين 18-24 عاما، ويمرون بتجربة فاشلة مؤلمة ويبحثون عن حلول لها. كان من المفترض أن يقوم الكمبيوتر بالتعلم من الرسائل التي يتلقاها ويعمل تدريجياً على تحسين قدراته على إجراء محادثات ممتعة. ولكن تايلور تعلم من الناس أفكاراً عنصرية وضد المرأة، وعندما بدأ في التحدث بعبارات إيجابية عن هتلر، قررت شركة مايكروسوفت بإنهاء دوره وحذف أثر رسائله عدوانية وقبحاً. إن المثالين دالين على القدرة الإنسانية، قدرة الإنسان على بناء ذكاء اصطناعي شديد الإبهار، وقدرته أيضاً على هزيمته حتى ولو لم يقم هو نفسه بصناعته وصنعه آخرون. ومن هنا، تصدق عبارة إيريك شميت الرئيس التنفيذي لشركة جوجل حين قال :"إن الإنسانية هي الفائز ... لأن التقدم في مجال الذكاء الاصطناعي من شأنه أن يجعل كل إنسان أكثر ذكاء، وأكثر قدرة، وإنساناً أفضل". هذا على غير ما زعمه نك بوستروم مدير معهد مستقبل الإنسانية في جامعة أكسفورد بكتابه "الذكاء الخارق"، بأن البشر لن يستطيعوا إيقاف الذكاء الاصطناعي، فهو ذكاء خارق، برأيه، ذكاء أذكى من العقول البشرية في كل مجال عملياً، بما في ذلك الإبداع العلمي. 

        إن واحدة من الأمور الملفتة ما تتسبب فيه التقنية الرقمية من فرض الهيمنة لشركات لم يكن لها وجود، وتغيير خارطة السوق وعمله. والأمثلة على ذلك كثيرة. فنموذج الأعمال الرقمي يجعل بعض الشركات أسرع وأكثر فاعلية من غيرها. في البداية تقترض هذه الشركات أموالاً كثيرة من أجل أعمال التأسيس، وتعرض خدماتها بأسعار مخفضة، ثم بالتدريج تتوسع أعمالها بدون منافسة حتى ترسخ نفسها وتحتكر السوق، وتتحكم في الأسعار كما يحلو لها. هذا ما فعلته بالضبط شركة أمازون. ففي البداية عملت على مدى واسع مكنها ذلك من تخزين المنتجات التي لم يتم طلبها، وعبر وكلائها عبر العالم استطاعت توصيل الخدمة بأقل تكلفة نقل، بل وتستطيع تسليم المنتجات بسرعة ومجاناً، وهو ما لم تستطيع القيام به الشركات الصغيرة. ومع الوقت استطاعت السيطرة. وينسحب التحليل على حالة أوبر وكريم في سوق النقل المصري. فالشركتان دخلتا السوق، واستطاعتا استعمال التقنية الرقمية عبر بعض التطبيقات الجديدة، ومن خلالها استطاعت أن تجذب عدداً كبيراً من الزبائن، وأن تمد شبكة عملها في القاهرة والجيزة، وأن تخفض سعر الخدمة، وأن تقدم الخدمة بأفضل صيغة وأكثر أماناً بالنسبة للفئات التي تقلق من استخدام الخدمة. ولكن الشركتين لم يكتفيا بذلك، بل يسعيان لضم أعضاء جدد من السائقين لشبكتها الواسعة، وهو ما يضمن سيطرتهما الكاملة في المستقبل على السوق، وتحكمهما فيه.

إرسل لصديق

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟