المركز العربي
للبحوث والدراسات
رئيس مجلس الادارة
عبد الرحيم علي

المدير التنفيذي 
هاني سليمان
ads
السيد يسين
السيد يسين

من الهوية المتخيلة إلى الهوية الأصولية

الأحد 24/يوليو/2016 - 01:08 م
تحدثنا فى مقال سابق عنوانه «مأزق الهوية الإسلامية المتخيلة» نشر فى 16 يونيو 2016 إلى مكونات الهوية الإسلامية المتخيلة التى تتبناها جماعة الإخوان المسلمين وعديد من الجماعات الدينية المتطرفة التى انبثقت منها.

وقد سبق لنا أن حددنا عناصر المشروع الإسلامى المتخيل وقررنا أن ينطوى على خمسة عناصر أساسية. 

العنصر الأول: يقوم على أساس أن «الشورى» هى العمود الرئيسى للنظام السياسى الإسلامى وليست الديموقراطية والتى هى بدعة غربية. والعنصر الثانى: يتعلق بالجانب المعرفى لأنه يقوم على ما يطلق عليه «أسلمة المعرفة»، وهو مشروع واسع المدى أسسه الناشط الإسلامى «طه جابر علوانى» مدير مركز البحوث الإسلامية فى واشنطن والذى توفى مؤخرا. 

وقد خطط له على أساس فكرة خيالية ساذجة مبناها تلخيص المعرفة الغربية فى مجال العلوم الاجتماعية والإنسانية ثم إعطاؤها لعدد من العلماء المسلمين «لأسلمتها»! وقد فشل هذا المشروع فشلا ذريعاً. 

والعنصر الثالث: من عناصر الهوية الإسلامية المتخيلة يتعلق «بالاقتصاد» وذلك على أساس رفض الاقتصاد الرأسمالى الذى يقوم على «الربا» وتطبيق ما يطلق عليه الاقتصاد الإسلامى المبرأ من الربا. 

أما العنصر الرابع فيتعلق بالممارسات الثقافية لأن المشروع الإسلامى المتخيل يمارس التحريم فى المجال الفكرى والثقافى من خلال الرقابة على الأعمال الفكرية والأدبية والفنية، ويمارس فيه التحريم بكل تزمت من خلال مصادرة الكتب والأعمال الفنية ويتهم أصحابها بالكفر والردة عن الإسلام. 

وأخيرا نجد العنصر الخامس -وهو أخطرها جميعا- لأنه يتعلق بالقيم ورؤية العالم والتى تنحصر لدى المؤمنين بهذا المشروع فى استعادة الماضى وتحكمه فى الحاضر بما فى ذلك رفض الحداثة الغربية، خصوصا الحداثة الفكرية والتى شعارها أن «العقل وليس النص الدينى هو محك الحكم على الأشياء». 

وهذه الهوية الإسلامية المتخيلة تكون فى الواقع «يوتوبيا» إسلامية لا علاقة لها بالواقع -كما أكدنا فى مناظرتنا مع الشيخ «يوسف القرضاوى» التى دارت فى منتصف التسعينيات على صفحات جريدة الأهرام- ونشرنا نصها فى كتابنا الأخير «نقد العقل الدينى» (دار العين 2016). 

غير أن هذه الهوية الإسلامية المتخيلة قد لا يترتب على اعتناقها بواسطة مجموعات من المسلمين ضرر يذكر. غير أن خطورتها تظهر حين تتحول إلى حركات «أصولية» لها قيادات وقواعد على الأرض، وتسعى إلى تغيير المجتمعات سواء بالدعوة أو بالعنف. وهذا العنف مارسته الحركات الأصولية الإسلامية بالفعل فى الستينيات فى مصر وغيرها من الدول الإسلامية وترتب عليه سقوط مئات الضحايا وقد تحول فى السنوات الأخيرة على يد تنظيم «القاعدة» بقيادة «بن لادن» ومؤخرا فى صورة «الخلافة الإسلامية» التى يتولى قيادتها الإرهابى «أبو بكر الزرقاوى» إلى إرهاب معولم يوجه ضرباته للمسلمين وغير المسلمين فى مختلف بلاد العالم. 

بعبارة أخرى الخطورة تتمثل فى تحول هذه الجماعات التى تعتنق «الهوية الإسلامية المتخيلة» إلى حركات «أصولية» تعتمد العنف وسيلة رئيسية لها للوصول إلى السلطة وتحكيم «شرع الله» كما يفهمونه هم وأخطر من ذلك كله محاولة «غزو العالم» كله لكى يدين بالإسلام حتى لو تم ذلك بالإرهاب الذى يترتب عليه عادة سقوط مئات الضحايا الأبرياء. وفى تقديرنا أن التحديد الدقيق لمفهوم الأصولية ودراسة مختلف تجلياته فى الواقع له أهمية قصوى -ليس فقط فى فهم الصراعات الدموية فى الحاضر التى تدور بين الجماعات الإرهابية الإسلامية والنظم السياسية العربية والإسلامية القائمة أو الدول الغربية- ولكن فى التخطيط للمستقبل بمعنى تكاتف جهود الدول ليس فقط لمحاربة الإرهاب ولكن للتخطيط المستقبلى لإشباع حاجات الشعوب المادية والمعنوية للقضاء النهائى على المشروع الأصولى بمخاطره الشديدة. 

وسنعتمد فى تعريف الأصولية على مرجع بالغ الأهمية عنوانه «صراع الأصوليات: التطرف المسيحى.. التطرف الإسلامى والحداثة الأوروبية» ألفه «هاينرش شيفر» وترجمه الدكتور «صلاح هلال» ونشر فى سلسلة مكتبة الأسرة فى مصر عام 2015. 

وميزة هذا الكتاب أنه لم يفرق بين الأصوليات الإسلامية والأصوليات المسيحية- كما تفعل بعض المراجع الغربية -التى تحاول إلصاق تهمة التعصب والإرهاب بالإسلام زورا وبهتانا. ولكن المؤلف -بمنهج علمى دقيق وبموضوعية ورؤية نقدية- يقدم تعريفا عاما للأصولية ويبين مفرداته الرئيسة قبل أن يتطرق إلى تطبيقاته العملية فى صورة حركات دينية والمؤلف فى الفصل الأول من كتابه المهم الذى أعطى له عنوان «معطيات فكرية» يقدم فى البداية ــ عكس كثير من الباحثين ــ تعريفا شكليا بحتا للأصولية الدينية. 

وهو يعتبر الحركات أصولية إذا كانت أولا تجعل القناعات الدينية مطلقة (أيا كان محتواها العقائدى). وهى ثانيا تستمد منها استراتيجية هيمنة اجتماعية تحاول إخضاع الحياة الخاصة والعامة لإملاءات قناعاتها الدينية، وثالثا إذا كان السياق فى مثل تلك الاستراتيجية هو التسييس الجوهرى لجميع ظروف الحياة فى عمليات التحديث. 

والمعيار الأول البالغ الأهمية لأنه يهدف إلى بناء نوع خاص من الهوية بحيث يميل المؤمنون بها إلى إقامة جدران عازلة بينهم وبين من لا يؤمنون بها من خلال إضفاء سمة «الإطلاق» وبذلك أيضا «العالمية» على قناعاتهم العقائدية. 

ويبدو صدق هذه الملاحظة الذكية التركيز فى قناعة قادة الإخوان المسلمين ــ حسب تصريحاتهم العلنية ــ أن مشروعهم لا يتعلق فقط بالبلاد العربية والإسلامية ولكنه يبسط نطاقه ليشمل العالم. وذلك يبدو فى تصريحاتهم المبنية على قناعة الشيخ «حسن البنا» مؤسس الجماعة أنه بعد مرحلة «التمكين» سيصبح المسلمون المؤمنون بهذه الهوية أساتذة العالم! 

غير أن الجدار العازل الذى يبنيه هؤلاء المسلمون المتطرفون بينهم وبين غيرهم يؤدى إلى رفضهم الآخرب بشكل مطلق، وهم لذلك أعداء لليبراليين وعلى وجه الأخص للعلمانيين الذين يعتبرونهم أخطر خصومهم الفكريين. وقد تجلى هذا الصراع الحاد فى مصر بعد ثورة 25 يناير حين أصبحت جماعة الإخوان المسلمين فى جانب والليبراليين والعلمانيين عموما فى جانب آخر. إلى أن أسقط الشعب فى 30 يونيو حكم الإخوان الديكتاتورى. 

وإذا كان المعيار الأول فى تعريف الأصولية هو القناعات الدينية المطلقة ورفض الآخر فإن المعيار الثانى هو فرضها لاستراتيجيات هيمنة تهدف إلى السيطرة على العالم. 

ويبقى المعيار الثالث والمهم فى تعريف الأصولية وهو يتعلق بسياق عمل الحركات الأصولية، والذى يتمثل فى رفض الحداثة الغربية خصوصا فيما يتعلق بمقومات التشكيل الحديث للتعايش الاجتماعى. 

إرسل لصديق

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟