المركز العربي
للبحوث والدراسات
رئيس مجلس الادارة
عبد الرحيم علي

المدير التنفيذي 
هاني سليمان
ads

قراءة موضوعية: فى تاريخ الفتنة الطائفية وواقعها المعاصر في مصر(4)

الإثنين 04/يوليه/2016 - 11:34 ص
المركز العربي للبحوث والدراسات
د. شريف درويش اللبان أ‌.أسـماء فـؤاد حافـظ
بعد أحداث الكشح الثانية فى عام 2000، وانتهاء فترة التسعينيات يمكن القول إن التوتر الطائفى قد استمر خلال عهد مبارك وتراكمت مشكلاته، والناتجة عن العديد من الأسباب من أبرزها ترخيص دور العبادة للمسيحيين، وقضايا التحول الدينى، وكان من أهم هذه الأحداث وأكثرها تأثيرًا فى تلك المرحلة: أزمة صحيفة النبأ (2001)، وأزمة وفاء قسطنطين (2004)، وأزمة كنيسة مارجرجس بالإسكندرية (2005)، وأزمة الإسكندرية (2006)، وأزمة نجع حمادى (2010)، وأزمة كاميليا شحاتة (2010)، وأزمة العمرانية (2010)، انتهاءً بحادث كنيسة القديسين (يناير 2011)، إلا أن هذا لا يمنع من وجود بعض الأحداث الطائفية الأخرى تخللت الفترات الزمنية المختلفة ولكنها محدودة التأثير، وفيما يلى استعراض لأهم تفاصيل أبرز تلك الأحداث:
أزمة صحيفة النبأ (يونيو 2001):
تواكبت هذه الأزمة مع تطورات قضية مركز ابن خلدون، وقضية نوال سعداوى، وقضية الصحافة الصفراء، وقضية الأقباط والانتخابات التكميلية وغيرها من القضايا الفرعية التى - وإن لم تؤثر مباشرة فقد - كان لها نوع من التأثير على مجريات الأحداث وتطوراتها74.وكانت صحيفتا النبأ وآخر خبر قد نشرتا فى 17 يونيه 2001 صورًا للراهب "عادل سعد الله غبريال" المطرود من دير المحرق الواقع فى منطقة أسيوط بصعيد مصر، وهو فى أوضاع غير لائقة مع إحدى النساء، وكتبتا أن الدير تحول إلى "وكر للدعارة"، وأشارتا إلى حصولهما على الصور من شريط فيديو مسجل عليه ممارسات الراهب، وقامت الشرطة بمصادرة جميع نسخ الصحيفتين تنفيذًا لأمر قضائى بذلك، وفى اليوم نفسه ألقت نيابة أمن الدولة القبض على ممدوح مهران رئيس تحرير الصحيفتين، ووجهت له اتهاماً ببث دعاية تهدد الأمن العام والتحريض عبر النشر علىكره إحدى المجموعات، عبر توزيع صور منافية للحشمة والأخلاق، ثم أفرجت عنه النيابة العامة بعد ذلك بكفالة لحين محاكمته فى 19 يونيه 2001م75. وفى نفس اليوم وقعت اشتباكات داخل الكاتدرائية الأرثوذكسية بالعباسية، عقب انتهاء قدّاس الأحد الأسبوعى الذى يؤمه البابا شنودة، واحتج المتظاهرون على ما نشرته الصحيفتان، وقام المتظاهرون بقذف قوات الشرطة بالحجارة عندما حاولت منعهم من الخروج للطريق العام، إلا أن الوضع هدأ بعد تدخل البابا شنودة الذى دعا المتظاهرين للالتزام بالهدوء، وهو ما مكّن قوات الشرطة من إحكام زمام الأمور، ورتبت لخروج المتظاهرين من الكاتدرائية فى جماعات صغيرة، ولم تلق القبض على أى منهم، وسارعت الكنيسة بإصدار بيانها لتبرئة ساحتها من أفعال الراهب المفصول، والذى تم تحويله لنيابة أمن الدولة العليا تمهيدًا لمحاكمته،وفى يوم 20 يونيه غاب البابا شنودة الثالث عن اللقاء الاعتيادى الذى يُعقد أسبوعيًا بالكاتدرائية فى العباسية؛ تجنبًا لمزيد من الانفعالات بعد أن شددعلى وجوب التزام الهدوء، مشيدًا بخطوات المسئولين المصريين من أجل احتواءالوضع، ورغم ذلك، جرت صدامات أمام الكاتدرائية بين الشرطة وشباب من الأقباط، أسفرت عنإصابة 40 من رجال الشرطة و30 من المتظاهرين الأقباط بجروح طفيفة عاد بعدها الوضعإلى الهدوء، وتلقت فى اليوم ذاته نيابة أمن الدولة العليا رسالة من المكتب الفنى للنائبالعام تفيد إدراج اسم "المتهم" ممدوح مهران بقوائم المنع من السفر وترقبالوصول، كما تلقت النيابة أيضا عدة محاضر عن إصابة بعض رجال الشرطة على يد المتظاهرينلدى الكاتدرائية المرقسية بالعباسية نتيجة حالة الاستياء التى سادت أوساط المسيحيين76.
   وبعد مرور أسبوع على نشر الموضوع والصور، وتحديداً يوم الأحد 24 يونيو 2001، بدأت محكمة جنح أمن الدولة طوارئ بعابدين فى محاكمة ممدوح مهران، والذى لم يحضر وناب عنه عدد من المحامين، وتعتبر أحكام هذهالمحكمة مبرمة غير قابلة للاستئناف، وعقدت الجلسة وسط إجراءات أمنية مشددة داخل قاعة المحكمة وخارجها، ثم استأنفت المحكمة ثانى جلساتها فى نظر القضية يوم الأحد 1 يوليو 2001، ورغم الإجراءات الأمنية المشددة التى سبقت وقائع الجلسة وخلالها، إلا أن حالة من الهرج والمرج تخللت فترات عقد الجلسة التى تم رفعها ‏ثلاث مرات بسبب تزاحم المحامين عن المجنى عليه ممثلًا فى "الكنيسة والدير"، والمحامين عن المتهم وتكالبهم على إبداء دفوعهم أمام هيئة المحكمة‏,‏ ولعدم إحكام السيطرة على حالة الفوضى التى شهدتها الجلسة قرر رئيس المحكمة عقب انتهاء النيابة العامة من مرافعتها استكمال عقد الجلسة بغرفة المداولة، وبعد عقد العديد من الجلسات وفى نهاية الأمر صدر حكم المحكمة يوم 16 سبتمبر 2001، والذى قضى بمعاقبة ممدوح مهران بالحبس لمدة 3 سنوات وبالغرامة 200 جنيه ومصادرة العدد 663 من صحيفة النبأ والعدد 664 من جريدة آخر خبر، وكذلك مصادرة شريط الفيديو المضبوط77.

أحداث العياط بالجيزة(7 نوفمبر 2003):
شهدت قرية جرزا بالعياط مشاحنات طائفية نتيجة الخلاف بين الطرفين المسلم والمسيحى على تحويل مكتبة فى القرية إلى كنيسة، وأسفرت الصدامات عن إصابة خمسة بجروح، كما أسفر الاشتباك عن تحطيم زجاج المكتبة وأبوابها وإلقاء حجارة على منازل سبعة من سكان القرية المسيحيين، وعقد محافظ الجيزة اجتماعاً فى مكتبه حضرته القيادات الشعبية والتنفيذية فى المحافظة وبشكل خاص من مدينة العياط وعدد من كبار المسلمين والأقباط فى قرية جرزا، وجرى فيه اتفاق على إنهاء هذا الخلاف بشكل ودى78.

أحداث سلامون بسوهاج (6 مارس 2004):
وقعت مشاجرة بين مسلم وشقيقين مسيحيين أمام منزلهما بقرية سلامون بمحافظة سوهاج، وانتهت بمقتل الأخيرين ضربا بفأس، ونشبت المشاجرة بسبب تعثر الحمار الذى كان يركبه الفلاح المسلم بسبب تجمع المياه أمام المنزل، وقد حاصرت قوات الشرطة القرية لمنع أى توتر طائفى، وفرضت طوقا أمنيًا محكمًا على القرية التى يقطنها نحو 40 ألفًا من السكان، وتصل نسبة المسيحيين فيها إلى نحو 40%79.

أحداث سمالوط بالمنيا (مايو، ديسمبر 2004):
تقوم الرواية الرسمية للأحداث على أن القس إبراهيم ميخائيل راعى كنيسة مارمينا بطحا الأعمدة بسمالوط توفى فى انقلاب سيارة كان يقودها رائد الشرطة أحمد كيلانى، وذلك أثناء اصطحابه للقس لعمل محضر فى مركز الشرطة فى مايو 2004؛ بسبب قيام عمال ببناء سور للكنيسة على مساحة جديدة للأرض من أجل توسيع الكنيسة دون إذن من الشرطة، وقد أصيب الضابط وتم نقله من موقعه إلى موقع أمنى آخر. بينما تؤكد الرواية القبطية للأحداث على أنه قد هبت رياح شديدة أدت إلى سقوط شجرة على سور كنيسة مارمينا، مما أدى إلى انهيار جزء من السور فاضطر كاهن الكنيسة ومعه بعض الخدام إلى الإسراع ببناء الجزء الذى تهدم فى نفس اليوم، حيث أن الحالة الأمنية فى القرية لا تسمح بهذا الوضع، وقام أحد الأهالى من المسلمين بإبلاغ نقطة الشرطة الموجودة بقرية مجاورة عن قيام المسيحيين ببناء سور الكنيسة، فأتت قوة من الشرطة وتم القبض على القس وخدام الكنيسة وشماسين واصطحب ضابط الشرطة القس فى سيارة خاصة بأحد الأهالى، وأثناء السير انحدرت السيارة إلى ترعة الصفصافة بسمالوط وانقلبت وقفز منها الضابط ومن معه واختفى بعد الحادث بينما توفى القس والشماسين وأصيب ثلاثة آخرين من الخدام، فقام الشباب المسيحى بتنظيم مظاهرة كبيرة بالقرية لمعرفة ما وراء الحادث80.
   وفى 3 ديسمبر من العام نفسه قررت النيابة العامة حبس 14 شخصًا من سكان قرية منطقتين بسمالوط، على ذمة التحقيق لاتهامهم بالتحريض وإتلاف ممتلكات مسيحيين، حيث هاجم عدد من السكان المسلمين مجموعة من المسيحيين وألقوا عليهم الحجارة، كما أشعلوا النار فى صيدليتين وسيارة مملوكة لمسيحيين احتجاجًا على البدء فى بناء جمعية خيرية مسيحية، أعتقد المسلمون أنها ستتوسع مستقبلًا لتتحول إلى كنيسة, وقد عززت قوات الأمن وجودها فى القرية لمنع تكرار مثل هذه المصادمات81.

أحداث المنيا (27 ديسمبر 2004):
وقعت مصادمات بين الأقباط والمسلمين بقرية دمشا وهاشم فى المنيا؛ بسبب شائعات انتشرت عن اعتزام اثنين من المسيحيين بناء منزل على قطعة أرض مملوكة لهما فى القرية تمهيداً لتحويله إلى كنيسة بعد ذلك، دون إذن من السلطات وقد أسفرت المصادمات عن وفاة شاب مسلم، وإصابة اثنين بجروح، وبعد السيطرة على الموقف أقام رجال الأمن كردونًا حول القرية وفرضوا حظر التجوال82.

أزمة وفاء قسطنطين (ديسمبر 2004):
تعددت القضايا والأحداث التى شهدها عام 2004، والتى شكلت بيئة خصبة لتفاقم الأزمة التى عُرفت بـ" أزمة وفاء قسطنطين"، ومن أهم هذه القضايا ما يلى83:
1-    مؤتمرات أقباط المهجر:
حيث ناقش مؤتمر أقباط مصر "أقلية تحت الحصار" المنعقد بسويسرا، والذى انعقد فى الفترة من 23 - 25 سبتمبر 2004، واستعرض على مدى أربع جلسات بعض مشكلات الأقباط؛ وقد لاقى المؤتمر هجوماً عنيفاً من الصحافة المصرية، وجاء هذا المؤتمر بعد عشر سنوات من عقد مركز ابن خلدون لأول مؤتمر عن الأقليات فى تاريخ مصر وذلك بقبرص فى الفترة من 12-15 مايو 1994، حيث أُعيد طرح مشكلات الأقباط بقوة، خاصة بعد أن تفاقمت ووصلت إلى حد المصادمات، إلا أن بعض المفكرين والكُتاب - ومنهم بعض الأقباط – قد شنوا هجومًا على المؤتمر، وقالوا إنه لا يختلف عن المؤتمرات التى سبقته والتى تستهدف استخدام ورقة الأقباط ذريعة لتدخل جهات أجنبية فى الشأن المصرى، فهو لا يختلف عن المؤتمر الذى عقد فى كندا خلال شهر يونيه 2004، والذى استجدى منظموه الدعم لإنشاء محطات فضائية قبطية توجه للمنطقة العربية، وطالبوا بإلغاء خانة الديانة من جميع الأوراق.
2-    تداعيات فيلم بحب السيما:
أثار عرض فيلم "بحب السيما" للمخرج القبطى أسامة فوزى ضجة كبيرة بين الأقباط، وانقسموا بين مؤيد ومعارض، فالمعارضون طالبوا بمنع عرض الفيلم ورفعه من دور السينما بسبب مضمونه الذى يصور العلاقة بين زوج شديد التدين وزوجة عادية تبحث عن حقوقها، وبسبب بعض المشاهد الساخنة فيه خاصة التى صورت داخل كنيسة، وقد صدر حكم مؤقت من إحدى المحاكم بمنع عرض الفيلم، قبل أن تلغيه محكمة القضاء الإدارى بعد ذلك.
   أما المؤيدون فأكدوا أن الفيلم عمل إبداعى ووسيلة من وسائل التعبير الفنى، ويمثل رؤية لمؤلفه وإبداعًا لمخرجه، ولا يقصد الإساءة للدين المسيحى، بل يحمل رسالة مضمونها إن التطرف فى كل الأديان مرفوض؛ لأن الأديان - ومنها المسيحية - تدعوا إلى خير وسعادة البشر لا التضييق عليهم. ورغم حكم محكمة القضاء الإدارى فى ديسمبر 2004 باستمرار عرض الفيلم فى دور العرض، إلا أنه وحتى أوائل يناير 2005 لم يعرض فى دور السينما، ربما لأن الظروف لم تكن مواتية؛ ولأن الحكم بإعادة عرض الفيلم تزامن مع قضية وفاء قسطنطين.
3-    أحداث المنيا:
فى نوفمبر 2004 تقدم أقباط قرية منقطين بمركز سمالوط بطلب بناء كنيسة فى قريتهم؛ لأنهم يصلون على موتاهم ويقيمون أفراحهم فى الشوارع، وسُمح لهم بافتتاح مقر جمعية مشهّرة ولكنهم تعرضوا لمضايقات بسببها، كما طلب أقباط القرية من وزير الداخلية التصريح باستئناف العمل فى بناء كنيستهم، والذى توقف منذ عام 1978.
4-أحداث أسيوط:
ترددت أنباء عن جهود للدعوة إلى الإسلام يقوم بها بعض السياسيين فى أوساط الشباب القبطى، وقد اتهم أحد الكهنة المسئولين فى أسيوط أمين الحزب الوطنى بالقيام بذلك النشاط أو بتسهيلهوحماية القائمين به، إلا أن أمين الحزب الوطنى فى أسيوط قد نفى هذه المسألة، وأرجع الإثارة التى صحبتها إلى التنافس الانتخابى.
4-    تصاعد قضايا الأسلمة والتنصير84:
انتشرت فى مصر خلال هذه الفترة ظاهرة إسلام الفتيات والسيدات، وكانت كل واحدة منهن قصة فى حد ذاتها, لكن الجامع المشترك بين هذه الحالات هو سيطرة الحالة الإيمانية على من أعلنوا إسلامهم، وهناك بالتأكيد بعض الحالات لإسلام الشباب والرجال الأقباط، ولكن لم تُثار فى وجههم المشكلات، ولكن المشكلة فى حالة الفتيات والسيدات، وحجة الكنيسة هنا هى أن أحد المسلمين أغوى الفتاة أو السيدة القبطية ووعدها بالزواج لتهرب معه.
ويبرز فى إطار قصص التنصير قضية ميرى عبد الله زوجة كاهن الزاوية الحمراء "رويس نصر الله"، والتى تواكبت أحداثها مع أزمة وفاء قسطنطين، وقد استقبل البابا شنودة السيدة ميرى فى دير الأنبا بيشوى فى 12 ديسمبر 2004، وكانيرافقها الأنبا مرتيروس أسقف الزاوية الحمراء وذلك بعد أيام من اختفائها وتصاعد شائعات أنها اختطفت؛ ولكن لأن قصة السيدة وفاء كانت أكثر هذه القصص شهرة، فلم يلتفت أحد لباقى قصص زوجات الكهنة مثل زوجة قس (الشرابية) بوسط القاهرة وفتاة قرية درنكة التابعة لمحافظة أسيوط فى الصعيد واللتين أعلنتا إسلامهما أيضا، وترددت إبان ذلك مزاعم عن خطفهما وتزويجهما لمسلميْن بالقوة الجبرية، ولكن ثبت عدم صحة ذلك، وتم التأكيد أن زوجات الكهنة هربن من منازلهن بإرادتهن نتيجة سوء معاملة أزواجهن لهن، أو لقناعتهن بالإسلام وعلمهن أنه لا يجوز لهن البقاء على ذمة غير مسلم، حيث تبين أن زوجة كاهن (الشرابية) ذهبت بالفعل إلى شيخ الأزهر فى مكتبه، كما روى الشيخ طنطاوى تطلب إشهار إسلامها لكن الشيخ نصحها بالتروى حقنا للفتنة، وصرفها من مكتبه، وبرر طنطاوى رفض الأزهر قبول إشهار إسلام قبطى، بأن ذلك: "تحكمه إجراءات صعبة ومشددة، فإجراءات الإشهار تظل معلقة على تقرير من الأمن يزكى دوافعه الصحيحة، ويستوفى إجراءات محددة، تلزم الأمن بأن يخطر الكنيسة التى يتبعها الشخص كى توفر مندوباً عنها عادة ما يكون راعى الكنيسة، يجلس إلى الشخص فى محاولة لإقناعه بالعدول عن رغبته، وقد تستمر جلسات ممثلى الكنيسة مع الشخص عدة مرات، حسبما يتطلب الموقف قبل أن يعلن القس المكلف بالمهمة أن الشخص مصمم على تغيير دينه، وأن الكنيسة لا تمانع، ويحرر محضر رسمى بذلك"، وقد انتهى أمر زوجة كاهن الشرابية باختفائها ثم ظهورها فى دير وادى النطرون فى صحراء مصر الغربية مع زوجة كاهن أبو المطامير بعدما أخذها الكهنة إلى هناك وانقطع الحديث عنها.
   وفى المقابل، تزايد الحديث عن قضايا التنصير آنذاك، وفى إطارها برزت قضية تنصير "زينب محمد مصطفى"، حيث طالب والدها الرئيس مبارك بالتدخل لإعادتها إلى أسرتها، وقال إن ابنته اُختطفت بعد سقوطها ضحية "لعملية تنصير أبطالها مصريون من الخارج والداخل"، وأضاف فى خطابه للرئيس "لقد استطاعوا إغراء ابنتى بكل السبل، فوعدوها بالأموال والمنحة الدراسية إلى كندا والحب الكاذب، وفى المقابل تم تنصيرها وارتدت عن دين الإسلام، هكذا جهارًا نهارًا". وطالب فى خطابه الدولة ببذل جهود مضاعفة للحيلولة دون تسفير ابنته إلى الخارج، وأوضح "كنت أظن أن الدولة ستبدأ عملية البحث واسعة الانتشار لتعيد لى ابنتى التى تركت لى خطابًا تقول فيه إن يسوع الرب قد ناداها وإنها لبت النداء، ولم يتحرك أحد حتى الآن. إن ابنتى لا تزال داخل مصر يا سيادة الرئيس، وهم يسعون إلى تسفيرها للخارج لتنضم إلى المجموعات الأخرى التى جرى تنصيرها".
    ووصل الأمر بعد ذلك إلى أن يصدر مجمع كهنة إيبارشية شبرا الخيمة ومجلسها الملى بيانًا يطالب فيه بأن تتسلم الكنيسة من يريد إشهار إسلامه فورا، على الرغم مما فى ذلك من شبهة إكراه ومخالفة للقانون، وعلى الرغم أيضا من أنه كان يتم قبل ذلك إجراء عرض لمن يريد إشهار إسلامه، يتيح له الاجتماع ببعض القساوسة لمراجعته ونصحه ولكن فى مكان غير تابع للكنيسة، كما أن هذا الإجراء لم يحدث مع من يتم تنصيرهم من المسلمين.
   وفى ظل هذه الإشكاليات، جاءت أزمة وفاء قسطنطين لتزيد الأمور تعقيداً، وخاصة مع ما ارتبط بها من تصعيد سياسى وإعلامى وطائفى، وكانت الأحداث قد بدأت يوم الأربعاء 1 ديسمبر 2004، إذ كان مأمور قسم شرطة السلام يثبت أقوال السيدة وفاء قسطنطين زوجة كاهن كنيسة أبو المطامير فى المحضر الذى حمل رقم (58 أحوال)، ووفقًا لأقوالها التى وقعت عليها بنفسها أبدت السيدة رغبتها فى إشهار إسلامها، وقالت إنها غادرت محل إقامتها منذ عدة أيام دون تدخل من أى شخص، وإنها أقامت طرف بعض معارفها فى القاهرة والمنوفية لحين استكمال إجراءات إشهار إسلامها، وإنها لم تتعرض لأية ضغوط فى هذا الشأن وقالت إن ابنتها على علم بذلك.
ونظرًا لحساسية القضية وخطورتها التقى بها عدد من ضباط أمن الدولة لمعرفة حقيقة الأمر فى اليوم التالى، وعما إذا كانت وراءه أسرار أو ضغوط من أحد، وسألوها عما إذا كان هناك من مارس عليها ضغوطًا لإشهار إسلامها، فردت بأنها تحفظ ثلث القرآن وقرأت فى حضورهم العديد من آياته، وقالوا لها: هل هناك نوايا للزواج بأحد من المسلمين؟ فاستنكرت السؤال، وقالت: إننى لست فتاة مراهقة، أنا عمرى أكثر من 46 عامًا ولدى أبناء كبار،  وناقشوها فى الدين كثيرًا، ففوجئوا بثقافتها الدينية ومعرفتها الواسعة بالإسلام وأحكامه، وقالوا لها: استعدى غدًا صباحًا سنخطر الكنيسة لتحديد موعد لجلسة النصح والإرشاد.
    وبالفعل تم إخطار الكنيسة، وطلب مطران البحيرة إمهاله بعض الوقت لتحديد المكان والزمان المناسبين للالتقاء بها، وعلى الفور راح يجرى الاتصالات بقيادة الكنيسةفى القاهرة التى انزعجت للأمر، فالسيدة وفاء هى زوجة لنائب المطران، وهذه كارثة لابد من حلها، فتم الاتصال بنجليها، فقالت ابنتها الكبرى: "نعم إن أمى مقتنعة تماما بالإسلام وسافرت بإرادتها، وقد حاولت إقناعها بعكس ذلك ففشلت، وكل ما فعلته أننى وافقتها على كتم السر". وفى يوم الأحد 5 ديسمبر 2004 تصادفت الأحداث مع وفاة الكاتب الصحفى سعيد سنبل، وكانت الأسرة قد قررت إقامة العزاء فى إحدى كنائس الجيزة، إلا أن تعليمات عليا صدرت من الكنيسة بنقل مراسم العزاء إلى الكاتدرائية، حيث قرر البابا أن يؤدى الصلاة بنفسه على روح الكاتب، بينما كانت هناك تعليمات أخرى إلى كنائس البحيرة وغيرها بضرورة حشد مئات الشباب وتوفير الباصات لهم للتظاهر وإعلان الغضب واستغلال مراسم العزاء فى الكاتدرائية، وبعد أن أدى البابا صلاة القداس على روح سنبل، خرج بعدها هو والقس الدكتور صفوت البياضى رئيس الطائفة الإنجيلية من الباب الخلفى من الكاتدرائية، وتوجه البابا إلى المطار لمغادرة القاهرة لحضور مؤتمر مجلس كنائس الشرق الأوسط، وعاد صباح الأربعاء 9 ديسمبر 2004، وبين الأحد والأربعاء بدأ الشباب القبطى اعتصامًا مفتوحًا داخل الكاتدرائية، وطالبت الجهات الأمنية بتهدئة الشباب، وقالت هذه الجهات أنه ليس هناك مانع من تسليم السيدة شريطة عقد جلسة نصح وإرشاد معها، فإذا وافقت فنحن مستعدون أن نسلمها إليكم فورًا، ونحن نستعجل هذه الجلسة اليوم قبل الغد، ولكن قادة الكنيسة رفضوا وأصروا على تقديم معلومات غير صحيحة إلى الشباب الغاضب الذى قالوا له: "إن زوجة أبوكم تم اختطافها وإجبارها على الإسلام وأن الأمن يتستر على هذه الجريمة". ولكن الكنيسة وجدت أن الدولة مصممة على موقفها بتطبيق القانون الذى جرى العرف عليه فى كل الحالات السابقة، فاضطروا للموافقة ولكن بشروط محددة منها: "أن يتم تسليم السيدة وفاء قسطنطين لتودع فى أحد المقار التابعة للكنيسة فى منطقة عين شمس، وألا يسمح لأحد سوى القساوسة أو من تريد الكنيسة بمقابلة السيدة وفاء، ويُرفض نهائيًا حضور أى رجل دين مسلم أو أى رجل أمن مسلم كما يحدد القانون"، واستجابت الحكومة لطلبات الكنيسة كاملة، وتجاهلت القانون الذى يحدد مكان المقابلة فى مديرية الأمن وبحضور آخرين إلى جانب القساوسة.
وعندما أبلغ الأمن السيدة وفاء بالموعد قالت لهم إننى صائمة فى هذا اليوم وكل ما أطلبه هو فقط ساعتان حتى أتمكن من الإفطار فى الخامسة مساء، وحاول الأمن معها كثيرًا إلا أنها أصرت على أن تفطر بعيدًا عن المكان الذى جرى الاتفاق عليه، وأخطرت الكنيسة بالأمر، إلا أن البابا صمم على الموعد فى الثالثة ظهرًا مهما كان الثمن، وحاولوا معها مرة أخرى، إلا أنها رفضت وبإصرار، وفى محاولة لتقديمها بأسرع وقت ممكن اصطحب عدد من رجال الأمن السيدة وفاء إلى كافيتريا قريبة من دار الفتيات المسيحيات، فتناولت الإفطار وأدت الصلاة هناك، وبعد نحو ثلث ساعة كانت بين أيدى الراهبات والقساوسة الذين منعوا أيًا من أفراد الأمن من الدخول. وفى هذا الوقت كان البابا شنودة قد اعتبر أن ما جرى يعد إهانة غير مقبولة واستهانة مرفوضة، ورفض كل الأعذار وقرر المضى بعيدًا عن الأعين إلى دير وادى النطرون، وألغيت عظة الأربعاء، وبعدها خرج الأنبا يؤانس سكرتير البابا ليعلن أمام المتظاهرين أن البابا قرر الاعتكاف فى الدير وألغيتالعظة؛ لأن الأمن لم يكن صادقًا معه ولم يسلم السيدة وفاء كما وعد، وكأن الأنبا قد ألقى بقنبلة تفجرت ذراتها غضبًا وحنقًا وصراخًا، فتحركت الجموع الحاشدة تهتف هتافات بشعة تطال الوحدة الوطنية وتكشف عن مؤامرة خفية، وزحفت الجموع نحو الخارج، وفجأة ودون سابق إنذار انهالت الأحجار التى جرى إعدادها من قبل ضد رجال الشرطة فأدت إلى جرح 55 ضابطًا وجنديًا.
   وظلت الهتافات تدوى، وراح المتظاهرون يبحثون عن وسيلة للخروج إلى الشارع فتسلقوا أسوار الكنيسة واعتدوا على الكنيسة البطرسية المجاورة، ووفقًا للبلاغ الذى تقدم به الكاهن "لوقا بطرس" إلى مأمور قسم الوايلى، أكد حدوث تلفيات كبيرة بالكنيسة، ولم تتوقف هذه التظاهرات إلا عندما خرج الأنبا يؤانس ليقول لهم إن أمكم وفاء تم تسليمها وهى الآن فى حوزة الكنيسة، ولم يدل بهذا التصريح إلا بعد فترة من إبلاغ بعض القساوسة ورجال الأمن له بأن السيدة وفاء تم تسليمها بعد صلاة المغرب مباشرة. وفور سماع المتظاهرين لهذا النبأ هتفوا جميعًا: "عايزين نشوفها"، ثم كرر الأنبا يؤانس الخبر، ولكنه أضاف أن الأمن كان قد اتفق مع البابا شنودة على أن السيدة ستعود فى تمام الساعة الرابعة، ولكنها لم تعد إلا فى الساعة السادسة، مما جعل البابا يذهب إلى الدير احتجاجًا على هذا التأخير، ولكن لم تطمئن جموع المتظاهرين لتصريح يؤانس، فعلت هتافاتهم واقتربوا أكثر وأكثر من البوابة الرئيسة وقذفوا المجندين بالحجارة، مما أدى إلى إصابة عدد من رجال الشرطة، وألقت قوات الشرطة القبض على بعضهم، وأمرت النيابة فى اليوم التالى بحبسهم متهمين بالتجمهر وضرب الوحدة الوطنية، وبعد أن عادت السيدة وفاء قيل إن الكنيسة أخذتها إلى مكان ما، وإن هناك اتفاقًا مع الجهات الأمنية، بأنها إذا أرادت أن تستمر فى إسلامها تعاد إلى المكان الذى جاءت منه وذلك خلال فترة زمنية محددة اُتفق عليها بين الكنيسة والأمن.
وفى داخل مبنى الفتيات المسيحيات بدأ القساوسة رحلة النصح والإرشاد، ولم يسمحوا لكائن من كان بالدخول إلا للشخصيات التى يأمرون هم فقطبدخولها، وكانت الجلسات الأولى صعبة وهو ما دعا أحد القساوسة إلى إصدار تصريح قال فيه: "إن الأمر يستلزم شهورًا، بل إن الكنيسة طلبت من وزارة الداخلية مدة سنة تبقى فيها وفاء تحت أيديهم". وفى يوم الثلاثاء 14 ديسمبر2004 تم إبلاغ رجال الأمن بأن السيدة وفاء قسطنطين قد عادت إلى ديانتها المسيحية وانتهى الأمر تمامًا، فأصر رجال الشرطة على تسجيل ذلك أمام النيابة، وبعد جدل طويل كانت وفاء أمام وكيل النيابة بالفعل، وفى محضر النيابة كانت الكلمات المدونة تقول على لسان وفاء قسطنطين "سبق أن طلبت من الشرطة إثبات رغبتها فى تغيير ديانتها فأوضح المسئولون أن الإجراءات تقتضى عرضها عل لجنة النصح والإرشاد بالكنيسة، وبعد موافقتها ومقابلتها للجنة المشار إليها وقيامهم بمناقشتها فى معتقداتها الدينية عدلت عن طلبها السابق" وقررت فى نهاية أقوالها فى التحقيقات أنها ولدت مسيحية وعاشت وسوف تموت مسيحية"85. وكان قرار النيابة هو صرفها بدون حراسة، وعلى الفور تسلمها عدد من القساوسة ومضوا بها، بينما راح رجال الأمن يتولون تأمينها من بعد، وفى هذا الوقت خرج الأنبا موسى أسقف الشباب بتصريح قال فيه: "إن وفاء كانت تجتاز أزمة نفسية ففكرت أن يكون الإسلام حلا فلجأت إلى أمن الدولة ثم استعادت رشدها"86.

أحداث الفيوم (27 فبراير 2005):
تظاهر نحو 1500 قبطى فى مدينة الفيوم؛ احتجاجًا على اختفاء فتاتين يعتقد أنهما اعتنقتا الإسلام، وقال مصدر فى الشرطة المصرية إن المتظاهرين تجمعوا أمام كنيسة مارى جرجس وسط مدينة الفيوم، وطالبوا زعماءهم الدينيين بإلقاء الضوء على مصير شابتين يرجح أنهما اعتنقتا الإسلام87.

أزمة كنيسة مارى جرجس (أكتوبر 2005):
شهدت مدينة الإسكندرية خلال شهر أكتوبر 2005، عدداً من الأحداث، تنوعت مظاهرها بين التظاهر السلمى، والحشود الأمنية، والمواجهات العنيفة بين قوات الأمن والمتظاهرين من المسلمين، وصولاً إلى سقوط قتلى وجرحى من المسلمين والأقباط، وجاءت هذه الأحداث كرد فعل على ما تناقلته بعض وسائل الإعلام حول وجود مسرحية عرضتها كنيسة "مارى جرجس" الواقعة فى حى محرم بك بمدينة الإسكندرية، تحتوى على ما اعتبره البعض إساءة للمسلمين وللدين الإسلامى وللقرآن الكريم ولرسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد أثارت هذه الأحداث جدلاً واسع النطاق بين مختلف أطياف الشارع السياسى المصرى، وأفرز هذا الجدل مزيداً من الاحتقان داخل المجتمع المصرى، الذى كان يشهد فى هذه الآونة العديد من الأحداث التى قادت إلى نوع من السخونة بين الأطراف المتباينة، بحيث أصبح المجتمع قابلاً للانفجار مع إشعال أول عود ثقاب، حتى لو كان لا يستحق.
وفى مقابل هذا التصاعد فى الجدل والتوتر الذى يعانى منه المجتمع، برز تيار ينادى بتغليب العقل وإعمال الحكمة، والتصدى لكل ما من شأنه التأثير على الوحدة الوطنية المصرية، وإيجاد الآليات التى يمكن من خلالها الحد من حالة الاحتقان التى يعانى منها الشارع المصرى، والبحث عن المشترك الذى يوحد الجميع، وتجنب كل عناصر الفرقة والاختلاف88.
   وقد تعددت التقارير الحقوقية، التى رصدت الأحداث التى شهدتها مدينة الإسكندرية وتطوراتها، حيث أرسلت منظمات حقوق الإنسان المصرية بعثات خاصة لتقصى الحقائق حول هذه الأحداث، ومن أهمها تقرير المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، الصادر فى 6 نوفمبر 2005 بعنوان "أحداث الإسكندرية: الأسباب واستراتيجية المواجهة"، والذى رصد الأحداث فى خمسة مشاهد أساسية، جاءت على النحو التالى:
أولًا: فىصيف عام 2003م كان كورال الكنيسة الأرثوذكسية "كنيسة مارى جرجس" بشارع محرم بك فى مدينة الإسكندرية يقدم مسرحية بعنوان "كنت أعمى والآن أبصر"، والتى تقدم شخصية شاب قبطى يتحول إلى الإسلام ثم يعود للمسيحية مرة أخرى، وتم تصوير المسرحية بكاميرا فيديو فى إطار توثيق أعمال كورال الكنيسة.
ثانيًا: قام بعض الشبابفى جامعة القاهرة وفى الأول من رمضان بتوزيع إسطوانات (CD) بغلاف كتب عليه هدية رمضان يتلقفه شباب الجامعة اعتقادًا منهم بأنه يحمل إمساكية شهر رمضان الكريم أو أى شىء يتعلق بهذا الشهر، إلا أنهم يفاجئون بأن الـ (CD) محمل عليه مسرحية "كنت أعمى والآن أبصر"، وداخل غرف الشات على الإنترنت يخبر شباب الجامعة بعضهم البعض حول موضوع الإسطوانة، وأن تلك المسرحية تحمل بين فصولها إهانة للدين الإسلامى وللنبى محمد (صلى الله عليه وسلم)، وتصل نسخ من تلك الإسطوانات إلى جامعة المنصورة، وتتلقف جريدتين مستقلتين الــCD وتنشر نص المسرحية، بل أن بعض الشباب قام بتصوير الصفحات المنشورة بالجريدتين والتى بها نص المسرحية وتم توزيعها على نطاق واسع من الشباب.
ثالثًا: خرج المصلون فى مساء الجمعة 14 أكتوبر 2005 من مسجد أولاد الشيخ بمحرم بك بالإسكندرية بعد صلاة التراويح، متجهين نحو كنيسة مارى جرجس، وحاصر الأمن الكنيسة فى ظل إغلاق أبوابها، وبدأ المصلون فى التظاهر وانضم إليهم العديد من المواطنين ليصل تعداد المتظاهرين ما يفوق خمسة آلاف فردًا، وردد المتظاهرون بعض الهتافات مطالبين بمحاسبة المسئولين عن عرض مثل تلك المسرحية وتقديم الاعتذار اللائق،وتدخل إمام مسجد أولاد الشيخ محاولًا تهدئة المتظاهرين، كما تدخلت أكثر من شخصية غير رسمية بهدف إقناع المتظاهرين بفض تظاهرهم، على أن يتم محاسبة من تثبت مسئوليته، وقد امتثل المتظاهرون لهذا الطلب على أمل أن يتم التحقيق فى الأمر، وقد اتفقوا على أنه إذا ما لم يتم اتخاذ الإجراءات المناسبة للتحقيق فى تلك الواقعة سيتم التظاهر مرة أخرى يوم الجمعة 21 أكتوبر، وخلال ذلك الأسبوع لم تقم أجهزة الدولة باتخاذ أية إجراءات ملموسة لتهدئة الأمور، وكل ما قامت به الجهات الحكومية هو إقامة حفل إفطار ضم كل من البابا شنودة ود. طنطاوى شيخ الأزهر وبعض القيادات السياسية، وخروج التصريحات الصحفية من قبل المفتى، الذى صرح بأنه "لا يوجد ما يؤكد صحة ما تردد عن وجود (سى دى) يسئ للإسلام".
رابعًا: فى 19 أكتوبر 2005 قام أحد الشباب المسلمين بطعن إحدى الراهبات من دير القديسة دميانة أثناء وقوفها أمام كنيسة مارى جرجس بمحرم بك، وأثناء محاولته الهرب أصاب أحد المحامين والذى كان بالقرب منه، وقد أُلقى القبض عليه بمعرفة قوات الأمن التى كانت بمنطقة محرم بك، وتمت إحالته إلى النيابة العامة.
خامسًا: استعدت قوات الأمن يومالجمعة 21 أكتوبر 2005 منذ الصباح الباكر لمحاصرة مسجد أولاد الشيخ وكنيسة مارى جرجس، ومع اقتراب موعد صلاة الجمعة أغلقت قوات الأمن شارع محرم بك من بدايته وأغلقت محطة مصر ومنعت المصلين الشباب من الوصول إلى مسجد أولاد الشيخ ولم تسمح بمرور غير السيدات والشيوخ والأطفال، الأمر الذى أدى إلى استفزاز المصلين وعقب انتهاء صلاة الجمعة تجمع العديد من الشباب أمام كنيسة مارى جرجس ليتجاوز تعدادهم أكثر من خمسة آلاف وهم يرددون بعض الهتافات المطالبة باعتذار الكنيسة، كما حملوا بعض اللافتات المطالبة بمحاكمة المسئولين عن إنتاج تلك المسرحية.وحاول المتظاهرون اقتحام كنيسة مارى جرجس، إلا أن قوات الأمن حالت دون اقتحامها، وقامت قوات الشرطة بإطلاق المئات من القنابل المسيلة للدموع والرصاص المطاطى، وعليه قام المتظاهرون برشق قوات الشرطة والكنيسة بالأحجار التى انتزعوا بعضها من أسفل قضبان الترام واستمرت تلك المواجهات فوق ما يزيد عن أربع ساعات متصلة، وفى أعقاب صلاة التراويح فى نفس اليوم تجمع آلاف المواطنين، محاصرين كنيسة مارى جرجس وقاموا برشقها والشرطة بالحجارة، وقد ردت عليهم قوات الشرطة بالقنابل المسيلة للدموع والرصاص المطاطى، الأمر الذى أدى إلى إصابة العديد من المواطنين ومقتل ثلاثة آخرين.
   وقد انتقلت المواجهات فيما بين المتظاهرين وقوات الشرطة للشوارع المتفرعة من شارع محرم بك، وقام المتظاهرون بتحطيم محلات بيع الخمور وبعض المحلات التى يملكها الأقباط كما تم إحراق ثلاثة سيارات، وحاول المتظاهرون اقتحام الكنيسة الإنجيلية بشارع ابن زهرون بمنطقة غربيال بمحرم بك أيضا، وبشارع إيزيس قام المتظاهرون بتحطيم واجهة مستشفى إيزيس وتحطيم صيدلية مملوكة لمسيحى، وقامت قوات الشرطة بمطاردة المتظاهرين إلى أن توقفوا فى حوالى الثانية من صباح اليوم التالى. وقامت قوات الشرطة بإلقاء القبض على أكثر من مائة متظاهر، وقد وجهت لهم النيابة العامة عده اتهامات منها تعطيل الموصلات العامة، ومقاومة السلطات، والتجمهر والقيام بأعمال شغب، والاعتداء على الأموال العامة والممتلكات الخاصة، وتم التحقيق مع المتهمين يوم السبت الموافق 22 أكتوبر 2005، وأمرت النيابة العامة بحبسهم 15 يوما رهن التحقيقات، وفى مساء نفس اليوم قامت بعض الجهات غير الرسمية بعدد من المحاولات لاحتواء الموقف، وتم تنظيم مظاهرة بمنطقة غيط العنب جمعت عنصرى الأمة، وظلت تهتف بهتافات تنبذ الفتنة الطائفية89.
   وقد أشار تقرير بعثة تقصى الحقائق للجمعية المصرية لدعم التطور الديمقراطى" إلىعدد من النتائج حول هذا الحدث، منها90:
- أن المتظاهرين الذين شاركوا فى المظاهرات على مدار أسبوعين وحاولوا اقتحام الكنيسة لم تشاهد الأغلبية الساحقة منهم المسرحية التى قيل أنها تضمنت إساءة بالغة للمسلمين والإسلام، وأن هذه الأغلبية بنت موقفها وتحركها من خلال السمع والشائعات التى وصلت إليهم.
- أن هناك أفراد وجهات مستفيدة من أحداث العنف الطائفى شاركت فى تحريك وتوجيه الأحداث مستغلة فى ذلك المشاعر الدينية لدى المسلمين من أهل الإسكندرية، وهو ما يفسر رفع سقف مطالبات المتظاهرين وإصرارهم على ضرورة اعتذار البابا شنودة بنفسه.
- أن انتخابات مجلس الشعب ألقت بظلال سلبية على الأحداث، حيث قام أحد أعضاء المجلس والمرشح للانتخابات القادمة بتأجيج مشاعر الغضب وإثارة النعرات الطائفية لدى جموع المصلين، وهو ما يؤكد تغليب المصالح الذاتية المحدودة الضيقة على مصالح الوطن.
- أن قيادات الكنيسة القبطية تجاهلت الأحداث فى بدايتها ولم تأخذها على محمل الجد، وكان يمكن أن تبادر باتخاذ موقف أكثر سرعة ووضوحًا لمعالجة الأحداث وتداعياتها.

أحداث بلقاس بالدقهلية (ديسمبر 2005):
شهدت مدينة بلقاس بالدقهلية مظاهرات نظمها عدد من الأقباط، بعد الكشف عن إعلان إسلام فتاتين، وتزوجهما من مسلمين91.

أحداث الشرقية (يناير 2006):
شهدت قرية كفر سلامة بمحافظة الشرقية قيام بعض أبناء القرية من المسلمين بإحراق منازل 20 أسرة قبطيةفى أعقاب مشاجرة عادية بين عائلة قبطية وأخرى مسلمة انتهت بمصرع مواطن مسلم، وقد تم تشكيل مجلس للصلح بحضور سكرتير عام المحافظة ومأمور مركز منيا القمح انتهى إلى إلزام الأسر القبطية التى أضرمت النيران فى منازلها على دفع نصف مليون جنيه على سبيل الدية لأهل القتيل المسلم وإخراج أفراد هذه الأسر من القرية لكون أحد أفرادها هو المشتبه فيه فى قتل المسلم، كما أُجبروا على بيع عقاراتهم المملوكة لهم لأبناء القتيل92.

أحداث الأقصر (يناير 2006):
اندلعت مشاحنات ومواجهات عقب تحويل بيت للضيافة فى قرية العديسات بالأقصر إلى كنيسة، دون الحصول على ترخيص رسمى؛ مما أدى إلى حالة احتقان سارع على إثرها عدد من الشباب بإشعال النيران فى بعض العشش والزراعات المجاورة لبيت الضيافة، مما أدى إلى احتكاكات بين الجانبين، وقد أعلنت قوات الشرطة حالة من الاستنفار فى القرية، عقب وفاة أحد المصابين متأثرًا بجراحه، كما أُلقى القبض على نحو 30 مسلمًا وقبطيًا من المتهمين الذين يعتقد مشاركتهم فى الأحداث. وقد طالب أئمة المساجد فى الأقصر مواطنى المدينة من مسلمين وأقباط بالتماسك والوحدة وعدم الوقوع فريسة سهلة للمخربين ومثيرى الفتن، وأكدوا أن المسلمين والمسيحيين يعيشون فى جو من الأخوة والمحبة، وأن الأقصر ليست صيدًا سهلًا للمخربين، كما ناشد شيخ الأزهر فى خطبة الجمعة التى ألقاها بأسوان فى 20 يناير 2006 العقلاء التدخل للإصلاح ولم الشمل عند حدوث أى خلاف بين عنصرى الأمة، مطالبًا الجميع بالعمل من أجل خير ورخاء مصر93.

أحداث العياط بالجيزة (19 فبراير 2006):
بدأت هذه الأحداث (وفق الرواية القبطية) عندما قام مسيحيو عزبة واصف غالى بالعياط بافتتاح مبنى خاص بهم اشترته المطرانية، وحصلوا على موافقات الجهات المختصة على إعادة افتتاحه، حيث كانت العزبة نفسها قد شهدت أحداث عنف قبل 3 سنوات على ذات المبنى، وقام مسلمو القرية من الرجال والنساء بالهجوم على جيرانهم المسيحيين وتحطيم وحرق بعض المنازل، وفى اليوم التالى هاجم العزبة أعداد من مسلمى القرى والعزب المجاورة يحملون العصى وينددون بالمسيحيين. وتم القبض على عدد من المسلمين والمسيحيين، وأفرج عن بعضهم عقب الصلح الذى اُتفق فيه على افتتاح جزء من المكان، والسماح للمسيحيين بإقامة مدارس للأولاد واجتماعات فيه.

أحداث قنا (25 فبراير، 1 أبريل 2006):
فى 25 فبراير فرضت سلطات الأمن المصرية طوقًا أمنيًا على قرية الشعب بمحافظة قنا خوفًا من اندلاع أحداث عنف طائفية إثر تردد شائعات عن قيام بعض الأقباط بنشر رسائل تسىء إلى الإسلام والرسول الكريم فى القرية، لكن مدير أمن قنا نفى وجود أى أحداث عنف طائفية فى القرية، وباشرت نيابة إسنا التابعة لها قرية الشعب التحقيق فى اشتعال النيران فى منزل أحد المواطنين المسيحيين، والذى نفى فى التحقيقات قيام مسلمين بإشعال النيران فى منزله، وقال إن شررًا تطاير من فرن ريفى لجاره القبطى وتسبب فى اشتعال النيران بأكوام "القش" أعلى سطح منزله. وأوضح مدير أمن قنا أن الحريق تزامن مع سريان شائعة بالقرية عن قيام أحد الأقباط بالإساءة للدين الإسلامى، مما أثار قلق الطرفين وخوفهم من وجود محاولة لإثارة الفتنة، وقاموا بإبلاغ الأجهزة الأمنية التى انتقلت على الفور إلى القرية واتخذت الإجراءات الأمنية اللازمة94.
وفى 1 أبريلقامت أجهزة الأمن بقنا بعقد مصالحة تاريخية حضرها أكثر من ألفى شخص، وذلك بمعاونة لجنة المصالحات الأهلية، ونجحوا بذلك فى إسدال الستار على الأحداث الطائفية التى شهدتها قرية فاو بحرى بدشنا وأصيب فيها ٤ من المواطنين، وتم التأكيد خلال المصالحة أن هناك جهات خارجية تتربص بمصر وتسعى للتفريق بين المسلمين والمسيحيين، وطالب البعض بتشكيل لجنة من حكماء الطرفين مهمتها وأد أى خلاف فى مهده95.

حادث المحلة الكبرى بالغربية (أبريل 2006):
اختفت فتاة مسيحية عن منزلها، ثم تم إعلان إسلامها وتوزيع شهادة إشهار إسلامها على المارة فى الشارع العام بالمحلة الكبرى، وذلك دون استجابة من السلطات لمطالب أهل الفتاة بإجلاء مصيرها ومقابلتها لاستبيان كيفية إشهارها إسلامها، ووفقًا لما ذكره والدها فقد اختفت الفتاة من محل عملها يوم 5 أبريل 2006، فتقدم ببلاغ إلى قسم الشرطة ثم توجه إلى مكتب مباحث أمن الدولة يوم 6 أبريل متهمًا صاحب العمل باختطاف كريمته, وبصحبة محاميه توجه فى اليوم التالى إلى الكاتدرائية بالقاهرة؛ لإخطار الأنبا يوأنس سكرتير نيافة البابا شنودة بواقعة الاختطاف، مطالباً بالتدخل لدى السلطات المعنية، ويوم 8 أبريل توصلت أسرة الفتاة إلى معلومات بإشهار الفتاة إسلامها، وفى صباح 10 أبريل احتشد جمهور ضخم من أقارب الفتاة ومواطنين مسيحيين مطالبين بإجلاء مصير الفتاة وتسليمها لهم، وتولى الآباء الكهنة صرفهم، ثم تقدم محامى الأسرة ببلاغ اتهم فيه مباحث أمن الدولة ومباحث القسم بتعمد التباطؤ فى الإجراءات والتواطؤ مع المشكو فى حقه, واعتصم المسيحيون بكنائس المدينة احتجاجاً على الأمر.

أزمة الإسكندرية (أبريل 2006):
تعددت العوامل والاعتبارات التى شكلت البيئة المحيطة بأزمة سيدى بشر بالإسكندرية فى أبريل 2006، والتى كان لكل منها تأثيره بدرجة أو بأخرى على الأزمة، وتداعياتها وردود الفعل المختلفة بشأنها، حيث كانت هذه العوامل بمثابة محفزات للتوتر وعدم الاستقرار السياسى والاقتصادى والاجتماعى والأمنى، على مستوى الدولة والمجتمع فى المرحلة التى سبقت الأزمة، والتالية لها96. أما عن الحدث نفسه، ففى صباح يوم الجمعة 14 أبريل 2006، ووسط الاحتفالات بالعديد من المناسبات الإسلامية (المولد النبوى الشريف) والمسيحية (أحد السعف، وعيد القيامة المجيد، وعيد شم النسيم) والوطنية (الاحتفال بتحرير سيناء)، خلت الشوارع من المارة وازدحمت الكنائس بالمصلين الذين أنهوا قداسهم وخرجوا ليبدأوا يومهم، فظهر شاب شاهرًا سيفين بيده وقائلًا: "لا إله إلاالله" أمام كنيسة القديسين بسيدى بشر، واعتدى على ثلاثة أشخاص، أحدهم سقط قتيلا وأصيب الآخران، وكل ذلك فى لحظات وسطدهشة المصلين الذين خرجوا توًا من الكنيسة، وحاول عدد من رواد الكنيسة الإمساك به ولكنه جرى مسرعًا، وحاولوا اللحاق به ولكنهم لم يستطيعوا، وقال شهود عيان إنه ركب إحدى السيارات، وأكدوا أنه لم يكن بمفرده حيث كان بصحبته شخص آخر فى السيارةوفرا هاربين، ثم حدث هجومين آخرين على كنيستى مارى جرجس بسبورتنج ومارى جرجس بالحضرة97.
  وفى اليوم التالى شهدت الإسكندرية العديد من الأحداث المتصاعدة، والتى واكبت تشييع جنازة ضحية الحادث، ففى الوقت الذى قام فيه عدد من المتظاهرين بالاعتداء على المارة والمنشآت، دعا أئمة المساجد فى الإسكندرية عبر مكبرات الصوت إلى تهدئةالأوضاع، وقال شهود عيان إن الموكب الجنائزى من كنيسة القديسين إلى المقابر تعرض لإلقاء الحجارة من المبانى الواقعة فى شارعمجاور للكنيسة، فيما كانت مصادمات بالعصى تدور بين مسلمين وأقباط فى الشارعوتم إحراق إحدى السيارات، وتدخل رجال الأمن على الفور وقسموا الموكب الجنائزىإلى قسمين لمحاصرة المتظاهرين المشتركين فى المصادمات، وبدأت المناوشات بين الطرفين تزداد بعد أن ظهر بعض الشبابيقذف وابلاً من الحجارة على المتظاهرين، وقد سُمع من داخل الكنائس هتافات عنيفةضد المسلمين وضد الحكومة، وتواصلت الصدامات الطائفية بين المسلمين والأقباط لليوم الثالث على التوالى فى الإسكندرية، مع الإعلان عن وفاة مسلم متأثراً بجروح أصيب بها فى مواجهات السبت 15 أبريل، وأسفرت المواجهات الجديدة عن سقوط حوالى 43 جريحاً واعتقال 50 شخصاً، ونشرت قوات الأمن أعدادًا كبيرة من رجالها حول الكنائس والمساجد التى شوهد فى محيطها شبان مسلمون وأقباط مزودون بسيوف وسكاكين وأنابيب غاز محمولة على الأكتاف.
    وقد تم إيداع المتهم فى الحادث بمستشفى المعمورة للأمراض النفسية والعقلية لفحص قواه العقلية‏,‏ وذلك بعد أن وجهت النيابة إليه تهم القتل‏,‏ والشروع فى القتل‏,‏ وحيازة سلاح أبيض‏,‏ واقتحام دور العبادة‏، ثم بدأت نيابة شرق الإسكندرية تحقيقاتها فى الأحداث‏, التى نشبت بين مجموعتين من الأقباط والمسلمين أثناء تشييع جثمان المتوفى المسيحى فى الأحداث‏,‏ وأسفرت عن وفاة مسلم‏,‏ وإصابة‏31‏ شخصًا آخرين‏,‏ من بينهم أربعة من رجال الشرطة‏,‏ وحرق وإتلاف‏عدد من السيارات والمحلات التجارية98.

فتنة العياط (مايو 2007):
تعرض الأقباط فى بمها التابعة لمركز العياط بالجيزة لاعتداءات يوم 11 مايو بعد صلاة الجمعة، وذلك إثر شائعة بتحويل أحد المنازل إلى كنيسة؛ وهو ما تسبب فى حرق العديد من منازل الأقباط وإصابة العديد منهم، كما تم نهب وحرق بعض المحلات والمتاجر الخاصة بالأقباط، وانتهت الأحداث بعقد جلسة عرفية للصلح بين الطرفين99.

قضية دير أبو فانا (مايو 2008):
تعرض دير أبو فانا الواقع فى المنيا لهجوم عن طريق مجموعة من الأعراب، وذلك بسبب نزاع على قطعة أرض بين الدير والأعراب، وهذه الأرض محل النزاع ملك للدولة ولم يتم تخصيصها لأى طرف من الطرفين المتنازعين بالشكل القانونى السليم، وحينما سقط قتيل وأصيب آخرون فقد تحول الأمر إلى قضية طائفية، كما يرجع بعض المحللين الخلافات على منطقة الدير إلى كشف أثرى أعلنت عنه البعثة الأثرية النمساوية للتنقيب عن الآثار عام 2003؛ مما دفع بعض الأعراب إلى السعى للسيطرة على المنطقة للتنقيب عن هذه الآثار، واستغل بعض أقباط المهجر هذه الأحداث للترويج لادعاءات الاعتداء على الأقباط والزعم بوجود محاولات لإجبار الرهبان على ترك مسيحيتهم100. إلا أن الحادث قد أسفر عن إحداث تلفيات فى الدير والممتلكات المحيطة به، كما نجم عن الاشتباك مقتل مسلم وإصابة أربعة مسيحيين، واختطاف ثلاثة رهبان لفترة وجيزة، وأعقب المصادمات بيوم واحد اندلاع مظاهرة شارك فيها حوالى 300 شاب قبطى فى ملوى101.

أحداث المحلة الكبرى (مايو 2009):
شهدت عزبة توما التابعة لقسم أول المحلة الكبرى بمحافظة الغربية أحداثا دامية بين عائلتين إحداهما مسيحية والأخرى مسلمة ليشتعل فتيل الفتنة الطائفية بالمنطقة بعد اختفاء فتاة قبطية لمدة أسبوعين، وذلك لارتباطها بأحد الشباب المسلم، ثم هدأت الأوضاع بعد أيام من الاحتقان بين المسلمين والمسيحيين، وقد تم إعادة الفتاة وإرسالها للدير حتى تهدأ الأوضاع102.

فتنة الدقهلية (يونيه 2009):
وقعت صدامات طائفية فى قرية كفر البربرى بمدينة المنصورة التابعة لمحافظة الدقهلية، بعد أن قُتل شاب مسلم أثناء مشاجرة مع صاحب متجر مسيحى بسبب خلاف على ثمن زجاجة مياه غازية؛ مما أدى إلى اندلاع اشتباكات طائفية، حيث توجه عشرات من المسلمين عقب مقتل الشاب إلى منزل صاحب المتجر المسيحى، وأضرموا فيه النيران وفى منزل مجاور، إلا أن الشرطة تمكنت من السيطرة على الموقف، بعد أن أوقفت عددا من الأشخاص شاركوا فى هذه الصدامات103.

أحداث بنى سويف (يونيه 2009):
حدثت اشتباكات بين مسلمين ومسيحيين بعزبة جرجس يوسف التابعة لنزلة أقفهص بمركز الفشن الواقع فى محافظة بنى سويف، بسبب وجود منزل مكون من 4 طوابق يسكنه الأب سمعان كاهن العزبة، والذى يقع بالقرب من مسجد بالعزبة، واعتقد المسلمون أن المسيحيين يحاولون تحويل المنزل إلى كنيسة، وقد حاصرت قوات الأمن العزبة وحولتها إلى ثكنة عسكرية، كما دفعت بأعداد كبيرة من قوات الأمن المركزى حول المناطق المؤدية إلى كنيسة الفشن104.

فتنة المنيا (يوليو 2009):
شهدت قرية الحواصلية التابعة لمركز المنيا أحداثًا طائفية فى يوليو 2009 بين مسلمى ومسيحى القرية؛ بسبب تحويل أحد المنازل بالقرية إلى كنيسة، وقامت قوات الأمن بمحاصرة القرية إثر المصادمات بين الطرفين والتى نشبت عقب تركيب صليبين من الجبس على واجهة الدور الثانى بالعقار محل سكن أحد أقباط القرية، والذى أكد أن المنزل ملك للطائفة المعمدانية الوطنية للكنيسة الأنجيلية، وأنها ستقوم بالإجراءات اللازمة للحصول على الترخيص لإقامة الشعائر الدينية فى هذا المكان؛ مما دفع مسلمى القرية إلى التجمهر أمام المنزل عقب الانتهاء من صلاة الجمعة، محاولين الوصول إلى المنزل وتصدت لهم قوات الأمن وقيامهم بإلقاء الطوب والحجارة وكرات النيران، فيما كثف الأمن تواجده بالقرية لمنع حدوث المصادمات من جديد بين الطرفين، خاصة بعد إصابة 4 أشخاص من الجانبين105.

أحداث نجع حمادى بقنا (6 يناير 2010):
ترجع هذه الأحداث إلى ليلة عيد الميلاد المجيد 2010، حيث شهدت مدينة نجع حمادى إطلاق بعض الأشخاص أعيرة نارية بشكل عشوائى على المتواجدين أمام مطرانية الأرثوذكس بنجع حمادى، وراح ضحية الحادث ستة أقباط ومجند مسلم كان يؤدى خدمته، وأصيب تسعة أشخاص آخرون بطلقات نارية106، وأثناء تشييع جنازات القتلى اندلعت موجات من الاعتداءات الطائفية التى طالت منازل وممتلكات الأقباط بنجع حمادى وقرية بهجورة المجاورة، وعزبة تركس التابعة للقرية، حيث قامت مجموعات تحمل أسلحة بيضاء وعصياً وأوعية من البنزين بكسر أبواب المحلات التجارية وسرقتها وإشعال النيران فيها107.

أحداث مرسى مطروح (مارس 2010):
رغم أن محافظة مطروح تعد من أكثر المحافظات المصرية هدوءًا، إلا أنها قد شهدت فتنة طائفية بسبب إقامة سور بالقرب من كنيسة الملاك بمنطقة الريفية؛ حيث قام بعض الأقباط ببناء سور لمبنى خدمات ملحق بالكنيسة دون تصريح، فقام بعض المسلمين بهدمه وحصار الكنيسة والاعتداء على ممتلكات الأقباط، وهو ما أدى إلى إصابة أكثر من 30 مواطنًا، إلا أن الأحداث انتهت بجلسة صلح موسعة بين الطرفين108.

وقائع قضية كاميليا شحاتة (2010 - 2011):
بدأت وقائع هذه القضية فى يوليو 2010، حين تظاهر مئات المسيحيين من قرية دير أبو مواس بالمنيا فى الكاتدرائية المرقسية بالعباسية؛ احتجاجاً على اختفاء زوجة القس "تادرس سمعان"، وهو ما بدا وقتها بأنه بوادر أزمة طائفية جديدة، خاصة مع ظهور شائعات لا يعرف أحد مصدرها بأنها تعرضت للاختطاف، وعلى الرغم من أن الامن استطاع التوصل للزوجة المختفية بعد أربعة أيام فقط من اختفائها، إلا أن عود الثقاب كان قد اشتعل وأمسكت النيران بوحدة الوطن. فعلى الرغم من أن الأمن أعلن أن السيدة كانت مقيمة عند أقاربها بالقاهرة نتيجة لخلافات عائلية مع زوجها، إلا أن الأقاويل والشائعات انطلقت بين السلفيين أن كاميليا قد أسلمت؛ ولذلك هربت من زوجها، وأن الأمن قد سلمها للكنيسة رغماً عنها، وهو ما كان بمثابة صب البنزين على عود الثقاب الذى مازال مشتعلاً، وخلال شهور عديدة تالية قام السلفيون فى الإسكندرية والقاهرة بمظاهرات ضد الكنيسة والبابا شنودة مطالبين بظهور كاميليا شحاتة وتفتيش الأديرة والكنائس للبحث عنها، فى الوقت الذى رفع فيه عدد من المحامين دعاوى ضد الكنيسة لتسليم كاميليا، ولم يُخمد الفتنة ظهور تسجيل على الإنترنت لكاميليا شحاتة تؤكد فيه أنها مسيحية وتنفى اعتناقها الإسلام حيث شكك السلفيون فى هذا التسجيل، ورغم أن ثورة 25 يناير وحدت بين الهلال والصليب إلا أنه مع حالة الانفلات التى سادت عادت مظاهرات السلفيين فى عام 2011 مرة أخرى، وبلغ الأمر فى إحدى المرات محاصرة الكاتدرائية المرقسية بالعباسية، لتظهر كاميليا شحاتة مرة أخرى على إحدى القنوات الفضائية وتؤكد اعتناقها المسيحية، وأن كل ما حدث كان بسبب خلافات زوجية مع زوجها وتم التصالح بينهما وقتها، وأنه لا صحة مطلقاً لإشهار إسلامها109.

أحداث العمرانية بالجيزة (24 نوفمبر 2010):
اندلعت اشتباكات عنيفة بين قوات الأمن ومئات الأقباط فى منطقة العمرانية بالجيزة، كما نظم مئات الأقباط مظاهرة أمام محافظة الجيزة احتجاجاً على توقف أعمال البناء فى كنيسة العمرانية، وقد أسفرت الاشتباكات عن مقتل شاب مسيحى، وإصابة 55 شخصاً بينهم 13 من أفراد الشرطة ونائب مدير الأمن، وذلك أثناء قيام الشرطة بفض تجمع للأقباط كان متواجدًا أمام مبنى للخدمات فى العمرانية احتجاجاً على قرار رئيس الحى بوقف عمليات البناء فى الكنيسة، وقطع نحو 400 منهم الطريق الدائرى110.
كنيسة القديسيْن (يناير 2011):
وقع حادث تفجير سيارة مفخخة أمام كنيسة القديسين بمنطقة سيدى بشر بمدينة الإسكندرية وذلك فى 1 يناير 2011، سقط على إثره 21 قتيلًا وأصيب مائة شخص آخرون، وعقب الانفجار تجمهر مئات المسيحيين أمام المسجد المقابل للكنيسة بغية اقتحامه، وكانت نفس الكنيسة قد تعرضت فى 2006 لهجوم بالسلاح الأبيض كما أشرنا سابقًا111.

   يتضح مما سبق طرحه، أنه قد تعددت أنماط العنف الطائفى فى عصر مبارك، فكان منها حوادث العنف الجماعى، وحوادث مرتبطة بممارسة المسيحيين لشعائرهم الجماعية، وأخرى تتمثل فى استهداف الكنائس خاصة فى المناطق والقرى ذات الأغلبية المسلمة والتى تفاجأ ببناء كنيسة دون إنذار مسبق لهم، فى ظل أزمة الترخيص وبناء دور العبادة، كما ظهر نمط القتل العمد على أساس الهوية الدينية، والذى حدث أغلبه فى حالات التحول الدينى. ورغم ارتفاع نسب الحوادث الطائفية فى العقدين الأخيرين من عهد مبارك فإن نظامه ظل يستخدم حجج التهوين والإنكار لحقيقة الاحتقان الطائفى الماثلة للعيان، رغم أنه كان الأكثر تأزمًا طائفيًا على مختلف المستويات كما عرضنا فى التفاصيل السابقة.
الهوامش:
74-    مركز الدراسات الحضارية وحوار الثقافات، مرجع سابق، ص ص 125 - 128.
75-    المرجع السابق نفسه،ص ص 137 - 145.
76-    أسعد عبود، بدء محاكمة ممدوح مهران، 24يونيه 2001، وإغلاق صحيفة النبأ المصرية، 4 يوليو 2001، http://archive.bab.com.
77-    أسعد عبود، انتفاضة الأقباط فى مصر من وراءها؟، 21 يونيه 2001، http://www.bab.com .
78-    نجوى عبد العزيز، مصر: الحكم على مهران بالحبس ثلاث سنوات فى قضية صحيفة النبأ "الموقوفة"، جريدة الشرق الأوسط، 17 سبتمبر 2001،  http://archive.aawsat.com.
79-    شريف منصور وآخرون، تــقــرير المـجتمع الـمدنى والتحول الديمقراطى والأقليات  فى الوطن العربى (خلال عام 2003)، إصدارات مركز ابن خلدون، ص 20، www.islamdaily.org.
80-    الجزيرة نت، الشرطة المصرية تحاصر قرية لمنع توتر طائفى، 6 مارس 2004، http://www.aljazeera.net/news/arabic/.
81-    سعد الدين ابراهيم، مرجع سابق، ص ص 13 ـ 37.
82-    الجزيرة نت،أقباط يتظاهرون فى القاهرة ومصادمات طائفية بالمنيا ،  8 ديسمبر 2004، http://www.aljazeera.net.
83-    سعد الدين إبراهيم، الملل والنحل والأعراق، التقرير السنوى الثامن، القاهرة، إصدارات مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية، 2005، ص ص 13 – 37.
84-    المرجع السابق نفسه، ص ص 13 – 37.
85-    السيد أبو داود، ظاهرة إسلام المسيحيات فى مصر، موقع الإسلام اليوم، 15/12/2004، http://www.islamtoday.net.
86-    فهمى هويدى، هوامش على مشهد الفتنة، جريدة الأهرام، قضايا وآراء، 21 ديسمبر 2004.
87-    مركز الدراسات الحضارية وحوار الثقافات، مرجع سابق، ص ص 195 - 210.
88-    محمد رضا، إسلام فتاتين يشعل مظاهرات الأقباط من جديد، لها أون لاين، 1 مارس 2005، http://www.lahaonline.com.
89-    المرجع السابق نفسه، ص ص 269 – 279.
90-    المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، أحداث الإسكندرية...الأسباب واستراتيجية المواجهة، 6 نوفمبر 2005، منشور على موقع الحوار المتمدن، العدد 1375، 11 نوفمبر 2005،http://www.ahewar.org.
91-    محمود على وآخرون، أحداث الإسكندرية  والاحتقان الطائفى فى مصر، الجمعية المصرية لدعم التطور الديمقراطى، تقرير بعثة تقصى الحقائق، أكتوبر 2005، منشور على موقع الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان،http://www.anhri.net .
92-    فراج إسماعيل، تصاعد أزمة مسيحيتين مصريتين بعد الزواج من شابين مسلمين والإنجاب، العربية، 21 ديسمبر 2005،  http://www.alarabiya.net.
93-    الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان، فتنة الإسكندرية ليست نهاية المطاف (ورقة موقف)، 9 مايو 2006.
94-    "مصر" .. قطار الفتنة يزيد من سرعته، هيئة العلماء المسلمين فى العراق، 18 أبريل 2006،  http://iraq-amsi.net/ar/news_view_6325.html.
95-    صلاح بديوى، ثالث حادث للفتنة الطائفية خلال أسبوعين ونواب يطالبون بإجراء حوار وطنى لمنع التصعيد، المصريون، 26 فبراير 2006، http://www.masress.com.
96-    محمد السمكورى، محمد حمدى، مصالحة لإنهاء فتنة طائفية انتهت بالتنديد بحادث دهب، جريدة المصرى اليوم، 28 أبريل 2006.
97-    مركز الدراسات الحضارية وحوار الثقافات، مرجع سابق،ص 307.
98-    المرجع السابق نفسه، ص ص 323 - 324.
99-    المرجع السابق نفسه، ص ص 327 - 328.
100-    مكرم محمد أحمد، فتنة العياط، جريدة الأهرام، عمرو بيومى، البابا يلجأ للرئيس «لرفع الظلم عن الأقباط.. وتفعيل مواد المواطنة»، منتديات الكنيسة، 2 مايو 2007، http://www.arabchurch.com.
101-     حنان كمال، المواطنة والإصلاح السياسى - دراسة النظام السياسى المصرى (2003-2008م)، رسالة ماجستير. غير منشورة، جامعة القاهرة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 2009، ص ص 89 – 90.
102-     دير أبو فانا، ويكيبيديا،  https://ar.wikipedia.org.
103-     هند عادل، اختفاء فتاة قبطية يشعل معركة بالمحلة، اليوم السابع، 6 يونيو 2009، رغم جلسات الصلح العرفية.. قضية فتاة المحلة المسيحية تثير الفتنة الطائفية، اليوم السابع، 9 يونيو 2009.
104-     الفتنة الطائفية تتجدد بالدقهلية بعد مقتل مسلم، اليوم السابع، 1 يوليو 2009.
105-     أيمن لطفى، على خلفية الأحداث الطائفية الأخيرة.. الأمن يحول عزبة بشرى لثكنة عسكرية ببنى سويف، اليوم السابع، 23 يونيو 2009، شعبان هدية، وفد من المحامين لإنهاء الفتنة الطائفية ببنى سويف، اليوم السابع، 4 يوليو 2009.
106-     حسن عبد الغفار، حبس40 من قرية الحواصلية فى أحداث فتنة المنيا، جريدة اليوم السابع، 25 يوليو 2009.
107-    هند المغربى، 19 ديسمبر.. إعادة محاكمة متهمين فى أحداث كنيسة نجع حمادى، صحيفة اليوم السابع، 14 نوفمبر 2011.
108-    إسحق إبراهيم وآخرون، نجع حمادى "شهود على الفتنة"، المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، 21 يناير 2010،  http://www.eipr.org.
109-    حسن مشالى، 72 ساعة من التوتر الطائفى من مطروح إلى فرشوط، جريدة اليوم السابع، 19 مارس 2010.
110-     يمكن الرجوع إلى:
- وليد فائق، تفاصيل القصة كاملة: فتنة كاميليا وأخواتها، مجلة أكتوبر، 15 مايو 2011.


إرسل لصديق

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟