المركز العربي
للبحوث والدراسات
رئيس مجلس الادارة
عبد الرحيم علي

المدير التنفيذي 
هاني سليمان
ads

نتائج محيرة: قراءة في الانتخابات المحلية المغربية

الأحد 20/سبتمبر/2015 - 10:58 ص
المركز العربي للبحوث والدراسات
د.أحمد موسى بدوي
في الرابع من سبتمبر الحالي، شهدت المغرب، التظاهرة الانتخابية الثانية بعد حراك الربيع العربي في 2011، وحل فيها حزب العدالة والتنمية في المركز الثالث، بينما تصدر الترتيب حزب الأصالة والمعاصرة القريب من القصر، وبينهما حل حزب الاستقلال ثانيا. ورغم هذا التراتب، فقد حصل العدالة والتنمية على أكبر عدد من أصوات الناخبين، محققا انتصارًا كبيرًا، في معركة المدن الكبرى، (فاس، الدار البيضاء، الرباط، طنجة، ومراكش، وأغادير). وهذا المقال محاولة لفهم نتائج ودلالات هذه الانتخابات، وأثرها على الانتخابات التشريعية القادمة.
كاد أن ينتقل الربيع العربي إلى المغرب، لولا دهاء القصر وحسن تدبيره لآليات استباقية، تفرغ شحنات الغضب التي تولدها الاحتجاجات الشبابية والمطالب الشعبية
أولا: المغرب وحراك الربيع العربي
انطلق الحراك العربي في 2011، بشكل مفاجئ، متسارع الوتيرة، ينتقل من بلد لآخر في خفة حركة، يخرج لسانه للتاريخ العربي البطيء، من تونس إلى مصر، فاليمن وليبيا وسوريا، وكاد أن ينتقل إلى المغرب، لولا دهاء القصر المغربي وحسن تدبيره لآليات استباقية، تفرغ شحنات الغضب التي تولدها الاحتجاجات الشبابية والمطالب الشعبية. لم يلجأ القصر لمسكنات اقتصادية، ولكنه تحول مباشرة إلى تلبية الحد الكافي من المطالب الاجتماعية والسياسية والثقافية، وبادر الملك بإجراء تعديلات مهمة على الدستور، تضمنت صلاحيات جديدة لرئيس الحكومة، وللسلطة الرقابية، وضمانات للمساواة والعدالة الاجتماعية، وحرية التعبير، واستقلال القضاء. الأمر الذي مكنه من تطويق الحراك الشعبي من ناحية، وسحب البساط من تحت أقدام حركة 20 فبراير وجماعة العدل والاحسان (السلفية). والحقيقة أن المغرب، مقارنة بمصر وتونس، وعلى خلافهما، حاول منذ عام 1998 تجنب تنشيط بركان الغضب، وذلك عبر تحويل مساره إلى صراع سياسي سلمي مؤسسي. وما التعديلات الدستورية إلا حلقة من حلقات هذا التحول الديمقراطي الذي أدارها القصر، ولاقت القبول لدى الشعب المغربي، وقواه السياسية.
ثانيا: الانتخابات البرلمانية بعد تعديل الدستور
دخل الدستور الجديد حيز التنفيذ في أول أغسطس 2011، ثم بادر الملك مرة أخرى، بالدعوة لانتخابات برلمانية مبكرة، أجريت فعليا في نهاية نوفمبر من نفس العام، شارك فيها أكثر من ثلاثين حزبا، يتنافسون على 395 مقعدا. وقد تحصل حزب العدالة والتنمية الإسلامي، على (107 مقاعد) تلاه حزب الاستقلال (60 مقعدا) ثم التجمع الوطني للأحرار (54 مقعدا) ثم الأصالة والمعاصرة (48 مقعدا) ثم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية (33 مقعدا) فالحركة الشعبية على (33 مقعدا) وتحصلت بقية الأحزاب على (55 مقعدا).
جاءت هذه النتائج مُتَّسِقة مع الحراك السياسي الذي أصاب الشمال الأفريقي، آنذاك، وفي لحظة يأس المواطن العربي، من القوى السياسية اليسارية والليبرالية معا، ومن التجربة التنموية الفاشلة، وتوغل الفساد في الأبنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وتفشي علاقات الاستغلال الناشئة عن ملكية وسائل الإنتاج والتحكم فيها، والبيروقراطية المتحيزة للطبقات المتنفذة على حساب البسطاء، واستغلال النفوذ القبلي/ الطائفي/ الإثني، بلا هوادة.
تزامن صعود العدالة والتنمية في المغرب مع صعود الحرية والعدالة في مصر، وحزب النهضة في تونس، الجميع بينهم مشتركات في المرجعية الفكرية، غير أن بينهم اختلافات جذرية، في الممارسة والتعاطي مع الواقع السياسي، كما يذهب محمد سعدي في الفصل الرابع من كتاب (حركات الإسلام السياسي والسلطة في العالم العربي– الصعود والأفول، إصدار، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية،2014) من معالجته لرؤية وممارسة الأحزاب الدينية، لفقه الخلاف مقابل فقه الائتلاف. ويذهب إلى أن الحرية والعدالة في مصر، فشلت فشلا ذريعا في التحول من فقه الخلاف إلى فقه الائتلاف، ويرى – محقا- أن الإخوان المسلمين قبلوا الائتلاف مع التيار الديني الانغلاقي الشمولي، وتلكأ في الاستجابة لمطالب الحوار الوطني الحقيقي والجاد مع بقية القوى الوطنية الأمر الذي عجل بسقوطهم. في حين مارس حزب النهضة تجربة نوعية في الحكم، تقوم على فكرة اقتسام السلطة والمشاركة في الحكم مع قوى سياسية أخرى، وموقفها المعارض – شبه الصريح- للتيار الانغلاقي الشمولي. أما بالنسبة للعدالة والتنمية في المغرب، فقد نجح في تقديم ممارسة سياسية هادئة وواضحة، وخطاب سياسي متزن وحداثي. يضاف إلى رأي سعدي، فاعلية خطاب العدالة والتنمية، وتمكنه من فرض أسلوبه على الساحة السياسية، مقابل بقية الأحزاب التي انشغلت بالمعارك الكلامية، ساعد على ذلك القدرات السياسية التي يتمتع بها شخص رئيس الحزب، ورئيس الوزراء، عبدالاله بن كيران.

نجح حزب العدالة والتنمية في المغرب في تقديم ممارسة سياسية هادئة وواضحة، وخطاب سياسي متزن وحداثي
ثالثا: الانتخابات الجماعية والجهوية المغربية
في إطار السعي إلى النظام اللامركزي في الإدارة المحلية، تم تقسيم المغرب إلى 12 جهة، وتنقسم الجهة بدورها إلى أقاليم، ويضم كل إقليم عدد من الجماعات. المهم في هذا التقسيم، هو صلاحيات هذه المجالس المحلية، فقد كفل القانون المنظم، صلاحيات واختصاصات كبيرة للمجلس الجهوي، أهمها رسم السياسات التنموية وتنفيذها، وكفل للمجالس الإقليمية والمجالس الجماعية، صلاحيات مراقبة ومتابعة الخطط والبرامج التنموية والخدمية التي تنفذها الجهة دون وصاية من الحكومة المركزية.
ومع ذلك فإن نظام الانتخابات المحلية في المغرب، هو بالتأكيد نظام معقد، وفيه ثغرات، لا بد من علاجها، فقبل التعديل الدستوري، كان الاقتراع يتم لانتخاب مجلس بلدي للمدينة أو القرية. وبعد التعديل تم توزيع المقاعد البلدية دون تناسب مع عدد السكان، على معنى أن ما يقرب من 79% من المقاعد البلدية البالغ عددها (31482 مقعدا) مخصصة للريف المغربي، رغم أن نسبة سكان الريف والبوادي المغربية لا يمثلون سوى 40% من السكان، في حين يتركز ما يقرب من 60% من السكان في المدن. الأمر الذي يؤدي إلى أن الفائز بمقعد في المدينة يحتاج إلى أصوات أكبر بكثير في حال ترشحه في الريف. وهو ما أفرز ظاهرة حصول العدالة والتنمية على أعلى الأصوات، بينما حل ثالثا في عدد المقاعد، لأن غالبية مقاعده قد تحصل عليها من المدن.
على أية حال، فإن الناخب، يذهب لصناديق الاقتراع، لكي (1) ينتخب أعضاء مجلس الجهة (المغرب مقسم إلى 12 مجلس جهوي بجملة 678مقعدا).(2) ثم ينتخب من يمثله في الجماعة (حي في مدينة، أو قرية، أو بادية صحراوية). انتخاب أعضاء المجلس الجهوي يتم بأسلوب الاقتراع باللائحة (القائمة الحزبية أو المستقلة) أما انتخاب أعضاء الجماعة، فيجمع بين الانتخاب الفردي، والانتخاب بالقائمة (اللائحة)، ولكن بحساب عدد سكان الجماعة، فإذا بلغ العدد 35 ألف نسمة أو أقل، كانت الاقتراع بأسلوب الانتخاب الفردي، أما إذا زاد العدد على 35 ألف نسمة، فإن يجري الانتخاب بأسلوب الاقتراع بالقائمة الحزبية. وكلاهما لا يحتاج إلى الأغلبية المطلقة، حيث النجاح من دورة واحدة، بالوزن النسبي للقائمة، وأعلى الأصوات للمقاعد الفردية.
ونلفت انتباه القارئ، إلى أنه في نفس توقيت الانتخابات الجماعية والجهوية، أجريت الانتخابات المهنية الخاصة بانتخاب أعضاء أربع غرف على مستوى الجهات وهي: الغرفة الفلاحية، غرفة التجارة والصناعة والخدمات، غرفة الصناعة التقليدية، وغرفة الصيد البحري. ونرجئ التعليق على نتائجها لمقال آخر.
بعد انتهاء الاقتراع المباشر، وإعلان النتائج الرسمية، يتم تشكيل المجلس الإقليمي، من بين الفائزين في الانتخابات الجماعية، وبحسب نتيجة  كل قائمة (لائحة)، وتشكيل هيئة رئاسة المجالس الجهوية، وكذلك تشكيل مجلس العمالة، من بين الفائزين في انتخابات الغرف المهنية، وتجري هذه العمليات، أثناء كتابة المقال. والمشكلة أن عمليات الاسترضاء التي تتم بين الأحزاب في هذه المرحلة، تكون في أحيان كثيرة ضد إرادة الناخبين، وتستخدم فيها كل الأساليب المشروعة وغير المشروعة.
بقي أن نذكر أنه في مطلع أكتوبر المقبل، سيتم تشكيل مجلس المستشارين، ويعد الغرفة الثانية بعد البرلمان المغربي، وينتخب أعضاءه من بين (مجالس الجماعات، المجالس الاقليمية، المجالس الجهوية، مجالس الغرف المهنية، النقابات)، وبحصص محددة، ينظمها القانون.

بلغت نسبة المشاركة 53% من جملة من لهم حق التصويت، شارك فيها 19 حزبا، وقاطعها، حزب النهج الديمقراطي اليساري، وجماعة العدل والاحسان، وحركة 20 فبراير
رابعا: نتائج الانتخابات
بلغت نسبة المشاركة 53% من جملة من لهم حق التصويت، شارك فيها 19 حزبا، وقاطعها، حزب النهج الديمقراطي اليساري، وجماعة العدل والاحسان، وحركة 20 فبراير،  وجاءت نتائج الانتخابات الجماعية، لتضع الأصالة والمعاصرة، في المقدمة بحصوله على 6655 مقعدا بنسبة 21,12%، يليه حزب الاستقلال بـ5106 مقاعد  بنسبة 16,22%، ثم حزب العدالة والتنمية الذي حصل على 5021 مقعدا بنسبة 15,94%. ، كما جاء حزب التجمع الوطني للأحرار في المركز الرابع وفاز بـ 4408 مقعدا أي 13,99%، ثم الحركة الشعبية بـ3007 مقاعد أي بنسبة 9,54%.، ثم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذي فاز بـ 2656 مقعدا بنسبة 8,48%
وفيما يتعلق بانتخاب أعضاء المجالس الجهوية، فقد تصدّر حزب العدالة والتنمية النتائج بـ174 مقعدا أي بنسبة 25,66%، يليه حزب الأصالة والمعاصرة بـ132 مقعدا بنسبة 19,47 %، ثم حزب الاستقلال بـ119 مقعدا بنسبة 17,55%، ثم حزب التجمع الوطني للأحرار بـ90 مقعدا بنسبة 13,27%، فحزب الحركة الشعبية بـ58 مقعدا بنسبة 8,55%..
خامسا: قراءة أولية في النتائج
النتائج بصفة عامة لم تطمئن أي طرف من الأطراف، الكل يشعر بعدم الرضا، كما يلي:
 (1) فمن جهة الناخب، استمر احجام قطاع كبير من السكان عن المشاركة السياسية، مشككاً في حرية ونزاهة الانتخابات، ويعزز هذا المناخ إصرار الحكومة على عدم الأخذ بنظام التسجيل التلقائي لكل مواطن حامل للبطاقة القومية. وقيام وزارة الداخلية بالإدارة الكاملة للعملية الانتخابية، بدلا من وجود هيئة مستقلة للانتخابات.

يبدو أن القصر أكبر الرابحين من النتيجة، حيث لم تفرز الانتخابات حزبا مُهيمنا، يمكن أن يطالب بمزيد من التعديلات الدستورية، أو تقليص أكبر لسلطات الملك
(2) ومن جهة الصراع الحزبي، فالكل غير راض عن النتائج، بعض الأحزاب، كالاستقلال والتجمع والاشتراكي، فقدت مناطق نفوذها الحضرية التقليدية، وخسر الأصالة والمعاصرة معركة المدن الكبرى، وانحسر نفوذه إلى الريف والبوادي، ويبدو أن الناخب عاقب غالبية الأحزاب التي رشحت كوادر لا تنتمي إليها، وغالبا ما تكون شخصيات، تحوم حولها شبهات الفساد، واعتادت سابقا المرور والفوز في الاستحقاق الانتخابي، بتوظيف المال، واستغلال حاجة الفقراء في المناطق الشعبية والحواري الضيقة والقرى والبوادي.
(3) حتى العدالة والتنمية الذي يقود الائتلاف الحاكم، يبدو قلقا من النتائج التي حققها، مع أنه  فاز بربع المجالس الجهوية، وانتزع مدنا كبيرة، كانت حكرا على منافسيه من قبل، إلا أنه أصبح الآن على المحك، على معنى أنه قد استوفىبعد هذا الاستحقاق فرصته السياسية كاملة، وأمامه مهمة صعبة، فالأداء السياسي للحكومة تفوق على أدائها الاقتصادي بصورة ملفتة، وتمكن الحزب من معالجة هذه الفجوة، باللعب على أخطاء الأحزاب الأخرى، وامتلاك ناصية الخطاب الاعلامي بجدارة. أما على مستوى الادارة المحلية، فالأمر يختلف جذريا، حيث يتواجه الخطاب مع الممارسة العملية. خطاب الحزب يزعم أنه حامل لواء التغيير ومحاربة الفساد، ويقدم نفسه على أنه صاحب مشروع حداثي – ديمقراطي، والممارسة وحدها، ستكشف مصداقية هذا الخطاب من عدمه، فإن تمكن من تسيير المجالس الجهوية تسييرا ديمقراطيا، يقوم على الشفافية والنزاهة والمحاسبة، فسوف يكافئه الناخب في الانتخابات التشريعية التي تحل في 2016.
(4) ويبدو أن القصر أكبر الرابحين من النتيجة، حيث لم تفرز الانتخابات حزبا مُهيمنا، يمكن أن يطالب - مسنودا بشعبيته-  بمزيد من التعديلات الدستورية، أو تقليص أكبر لسلطات الملك، فالأحزاب الأربعة الفائزة بأكبر المقاعد، هي أحزاب محافظة، تمتلك علاقات متميزة مع القصر، بما في ذلك العدالة والتنمية، الذي يحاول منذ وصوله للسلطة أن يتحرر من تهمة الإخوانية وإيديولوجية الإسلام السياسي، ويتجه رويدا رويدا إلى صياغة نوع من الإسلام السياسي المخزني.
(5) ومن إيجابيات هذه الانتخابات أمرين: الأول تطور الوعي السياسي للناخبين، المقاوم للاستغلال والابتزاز السياسي، فقد وجهت هذه الانتخابات ضربة في مقتل للمعادلة القديمة (من يدفع أكثر يحصل على مقاعد أكبر). الثاني: تبلور الخريطة السياسية المغربية، فقد حصل ثمانية أحزاب على 80% من الأصوات، في حين تحصلت بقية الأحزاب على 20%. وربما تشهد الأيام القادمة تفكك بعض الأحزاب أو اندماجها في كيانات حزبية أكبر، ما يعزز مسار تثبيت الديمقراطية في المغرب.
(*) شكر واجب للدكتور طاهر صابر، والدكتور عبد الحميد أكري، الباحثين المغربيين، اللذين أفادا الكاتب بأفكارهما وملاحظاتهما على مسودة المقال.

إرسل لصديق

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟