المركز العربي
للبحوث والدراسات
رئيس مجلس الادارة
عبد الرحيم علي

المدير التنفيذي 
هاني سليمان
ads

آليات المواجهة: الإرهاب في مصر

الأحد 02/نوفمبر/2014 - 11:01 ص
المركز العربي للبحوث والدراسات
د. محمود عبد اللـه

يمر الوطن بأكثر مراحله مأساوية بما أسفرت عنه الأحداث الأخيرة التي يترتب عليها سقوط أعداد كبيرة من الضحايا من الجنود وأفراد الشرطة والمدنيين، وربما تمثل المرحلة الحالية مرحلة فاصلة، يتحدد بموجبها مسار الثورة، ويوجّه طريقها مستقبلا، في تحديد أولوياتها، والتحديات التي تواجهها. فعلى الرغم من الطروحات التي تطل برأسها، وقد تتسبب في الدخول المباشر إلى وضعية جديدة، ستضر بكل القوى السياسية الحالية. هذا المنحى الذي يغلّب المواجهة الأمنية على حقوق الإنسان، ما يجعل عملية التحول الديموقراطي عملية فارغة خالية من المعنى.

فقد تغلب في السياق العام خطاب قمعي يجدد حضوره تحت ذريعة تعبيرات من قبيل: حساسية اللحظة، أو "نحن في حالة حرب"، وأننا "نواجه مخططات"، إلى جوار مفردات من قبيل "العميل"، و"المخرب"، والفوضوي، التي لها من العواقب الوخيمة، ليس فقط على منتجها بل وعلى متلقيها. أمام هذا الخطاب، من الضروري اللجوء لخطاب عقلاني، لا يتلاعب بالمشاعر الوطنية أو القومية أو الطبقية، بما يخدم في النهاية المصلحة الوطنية. ففي الراهن طرح حادث العريش الأخير سؤالين أساسيين، أولهما سؤال التأسيس، وثانيهما سؤال المواجهة. الأول معنيٌّ بالأسباب التي يتعلل بها لظهور الإرهاب وانتشاره، والثاني يتعلق بآلية المواجهة المحتملة.  

 

لم تستطع الدولة أن توزع عوائد التنمية على المناطق الجغرافية، ما بين الريف والحضر، وداخل الحضر، وبين الشمال والجنوب

أولا: سؤال التأسيس: متى تهب عواصف الإرهاب

تتعدد الدوافع التي تضطر الشباب إلى الانضمام للجماعات الجهادية في مصر، وهي تمثل في مجموعها مناخ إنتاج العنف ضد الدولة والمجتمع، باعتبارهما مصدر إشباع احتياجات الفرد. وتتمثل هذه الأسباب في: غياب العدالة الاجتماعية، شيوع الخطاب التكفيري، تفكك الروابط المجتمعية، سقوط سلطة الشيخ التقليدي والمثقف العام، وضعف دور المؤسسات الثقافية، وغياب المشروع القومي.

1 - غياب العدالة الاجتماعية

حيث توجد تنمية مشوهة غير قادرة على النفاذ إلى كل الطبقات، وإلى كل الربوع، ونحو الكل دون تمييز ديني أو نوعي. فالدولة لم تستطع أن توزع عوائد التنمية على المناطق الجغرافية، ما بين الريف والحضر، وداخل الحضر، وبين الشمال والجنوب. وكان من تبعات ذلك أن تطوَّر ما يسمَّى بالاقتصاد الموازي. فغياب أجهزة الدولة داخل المجتمعات الفقيرة يعوّض في أغلب الأحيان بالجماعات الإسلامية التي كانت تموَّل بشكل رئيسي من خلال مصادر من داخل الخليج، التي مارست عملها داخل مناطق انصرفت عنها الدولة. وبالتالي أخذت جماعة الإخوان المسلمين وتنظيمات إسلامية أخرى على عاتقها تشييد وإدارة شبكة موسعة من المدارس والعيادات الصحية والمساجد في جميع أرجاء الدولة.

إذ لم يقتصر نفاذ هذه الجماعات الدينية السلمية والعنيفة على المناطق الريفية بل ونفذت إلى المناطق الحضرية الفقيرة، مع دخول أبنائها الريفيين إلى الحضر واصطدامهم بأزمة التحديث وثقافته المغايرة بالكلية لثقافتهم الريفية المحافظة. ويصف "جيل كيبل" بدقة هذه الفئة من فقراء الحضر الذين ينضمون لجماعات التطرف، ردا على إهمال الدولة لهم، "هذه الفئة تتميز بثلاث خصائص: فهي أولا فقيرة، وهي على مستوى من المعرفة يفوق بكثير مستوى آبائها، ولا تملك ذاكرة في النضال من أجل الحصول على الاستقلال، الذي بنيت عليه النخبة الحاكمة مشروعيتها. وفي ذات الوقت قلما أتيح لها أن تحظى بفرص للشغل، وأخيرا لا تتأثر لا تتأثر بخطاب النخبة الحاكمة الذي تستمد منه مشروعيتها، والذي يعود إلى الخمسينيات وبداية الستينيات".

يضاف لذلك أن أغلب قيادات أعضاء الجماعات المتطرفة جاءوا من الجنوب، وبالتحديد من محافظات بني سويف والمنيا والفيوم وأسيوط وقنا. وهي من المحافظات الأكثر فقرًا، وتتركز فيها الثروة في يد عائلات تمكنت سلطويًا عبر جميع الحكومات المتتابعة من احتكار الثروة. فالمسألة لا تقف عند غياب التنمية عن الصعيد، بل تبدأ من هذه السيطرة القبلية لجماعات أو عائلات، احتكرت الثروة والسياسة وفرص التطور. وكما يقول بودريار فإن الإرهاب صنو الهيمنة، إذ "إنه الظل المرافق لكل نسق من الهيمنة ... إنه موجود في صلب هذه الثقافة التي تحاربه".

2 - شيوع خطاب التكفير

ومرد ذلك عدة عوامل، تبدأ من غياب قيم التسامح والحوار واحترام المغايرة وانتهاء بغياب العقلانية ورسوخ أقدام الخرافة. هذه العوامل نتاج عدم قدرة الدولة على الحياد إزاء الدين. فالملاحظ أن الطبقة الحاكمة تستغل الدين في صراعها السياسي، مثلها مثل القوى السياسية الأخرى، ولم تصل لوضع تتمكن فيه الجماعة السياسية ككل من الفصل بين الدين والسياسة. فالأمر لا يتعلق بتبنِّي الدولة أو الطبقة الحاكمة لخطاب ديني معتدل، لأنه من الأصل من الخطورة أن تتبنَّى أي قوة سياسية للدين. كما أن اصطلاح "معتدل" هو ذاته مربك، فالمعتدل معتدل بالنسبة لمن، وما الذي يميزه بالاعتدال، وهل هذه السمة له إن جاء بما يرضي النخبة المثقفة، أم النخبة الحاكمة، أم عامة الناس. ذلك أنه من الصعوبة بمكان الاتفاق على معنى الاعتدال. بل ومن الأجدى تحييد دور المؤسسات الدينية، والاكتفاء بدورها في الشأن الديني اليومي، رفعا للدين لمكانته المقدسة، وإبعادا له عن دناسة اليومي وصراعات البشر.

3 - تفكك الروابط المجتمعية

فالشاب أو الشابة تلجأ للجماعات الدينية المتطرفة كجزء من مقاومة هشاشة التجربة اليومية الحديثة التي تسببت في ضعف النسيج الأسري، وسيادة ثقافة استهلاكية. إذ يبحث العضو عن جماعة مرجعية تؤكد مثاليته ورغبته في بناء مجتمع مثالي يحاكي الصورة المرسومة عن الماضي. فالحداثة المصرية المشوهة لم تنتج في المدن عالما جديدا يؤلف بين الأفراد داخل الأسرة الواحدة. وهو ما يبرر وجود أفراد من الطبقات العليا والمتوسطة ضمن الجماعات المتطرفة، لأسباب تتصل أغلبها في العزلة كمكون أصيل في بنية الحياة الحديثة القائمة على المادية والاستهلاك والفردية. فليست هذه الجماعات نتاج الفقر، كما تتصور بعض الأدبيات، فكيف إذن نجد أفرادا تعلموا في المدارس الحديثة، وتخرجوا بشهادات عليا في تخصصات علمية متميزة، إلا إذا كان هذا التفسير هو الأقرب والأدق في تفسير العزوف عن المجتمع، وتفضيل الحياة الجديدة

4 - تراجع خطاب الإصلاح الديني    

وتسمى هذه الظاهرة بتفتت المرجعية. ويقصد بها غياب المصدر الواحد للمعرفة. فلم يعد الشيخ الأزهري التقليدي مصدرا للمعرفة الدينية. كذلك لم يعد المثقف التقليدي هو مصدر الثقافة للشباب. فقد تسبب انفتاح المجال العام في تعدد المرجعيات الفكرية، فهناك الدعاة السلفيون، والدعاة الجدد، وكل منهم له مذهبه في التأويل والتفسير وفهم النص الديني. وقد يكون ذلك أمرًا جيدًا، ومثمرًا من ناحية بناء سياسة دينية منفتحة، لكن النظرة المتأملة تدلل على وجود صراع بين تيارين، السلفية الدينية المعبرة عن الفقراء والمهمشين والمعنية بتقديم الخطاب الشعبي بكل تفاصيله اللغوية والثقافية (الحديث عن الطب النبوي مثال جيد على التقرب من الثقافة الشعبية الطبية، على اعتبار أن الطب النبوي هو جزء من هذه الثقافة)، في مقابل الخطاب الديني للدعاة الجدد أبناء الطبقات العليا والمتوسطة، وقد انتهى الصراع بقدرة السلفية على النفاذ، وهو ما تبيّنه حسام تمّام في "تسلف" أكبر الجماعات الدينية في مصر، وهي جماعة الإخوان، حين وصل إلى قمة التنظيم أفراد "متسلفون"، وفدوا من خلفيات ريفية، ووصل أحدهم إلى سدة الحكم. وهذه السلفية الوهابية هي الأصل الأصيل لرؤية الجماعات الجهادية المتطرفة، وقد استطاعت أن تمتد بنفوذها داخل الأزهر، فأزاحت الخطاب الإصلاحي الذي يحاول أن يستفيد من معطيات المعرفة الحديثة في مجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية.    

إن بناء الدولة للمواطن قد يكون مرهونًا بالقدرة على استغلال طاقته واستثمارها فيما يفيد المصلحة العامة.

5 - ضعف دور المؤسسات الثقافية

غابت المؤسسات الثقافية عن الساحة المصرية. فقد تراجع اهتمام الدولة بالثقافة، وغدا الأمر مقصورًا على تحول مؤسساتها إلى دور نشر لأعمال تناهض التطرف. ما نمّ عن سياسة ثقافية قاصرة عن مواجهة التطرف مواجهة حاسمة. الأمر الذي يحتاج لدراسة مُعمَّقة في الموضوع، تتناول دور الدولة في مواجهة ثقافة التطرف عبر مؤسساتها الرئيسية وبالذات الهيئة العامة لقصور الثقافة المنتشرة في كل ربوع مصر.

في المقابل ظهرت مع الوقت مؤسسات ثقافية في المدن الكبرى وبالذات مدينة القاهرة، مثل المورد الثقافي وساقية الصاوي، وغيرها من المؤسسات، التي يتمول بعضها بتمويل أجنبي وتتبنى سياسة ثقافية بديلة، وتشجع الشباب على التعبير عن إبداعهم ومكنوناتهم. ولكن هذه المؤسسات ضعيفة من عدة نواح، أهمها عدم قدرتها على الانتشار في بقاع الوطن، واعتمادها على النخبة المتعلمة، وعدم قدرتها على استيعاب الثقافة الشعبية لقطاع عريض من المصريين

6 - غياب المشروع القومي

إن بناء الدولة للمواطن قد يكون مرهونًا بالقدرة على استغلال طاقته واستثمارها فيما يفيد المصلحة العامة. ولعل سياسة وضع المشروعات الكبيرة هي واحدة من السياسات العامة الضرورية، خاصة إذا تقيدت برؤية جديدة تستوعب المهمشين والمستبعدين. فالحديث عن المشروعات القومية بإطلاق دون التقيد برؤية تنحاز للمستبعدين، هو تفريغ لقيمتها. ويفضل أن تكون هذه المشروعات نتاج الحاجة المجتمعية والمطالب الجماعية، وأن تموَّل تمويلا وطنيا، دون الخضوع لرأس مال أجنبي أو محلي، بحيث تكون المشروعات ملكية للشعب لفظًا ومعنى وممارسة. ولعل مشروع قناة السويس الجديد تعبير جيد عن هذا الطموح المأمول. إذ ارتبط بواحدة من المدن الصناعية المتميزة وهي السويس التي يتمركز فيها القوى الدينية المتطرفة، نتيجة لسياسات الاستبعاد التي أدت إلى توظيف غير أهالي المدينة في الشركات الكائنة فيها، فأصبح الوافد من خارجها مهددا للمستقر بها، مما خلق ثقافة حاضنة للتطرف، كاستجابة جماعية للتهميش.

 

7 - تراجع الدولة ورأس المال عن المسئولية الاجتماعية

التزمت الدولة بسياسات تنموية ليبرالية جديدة، تقوم على مبادئ التقشف في الإنفاق العام، والتخلي عن الدور الاجتماعي لصالح المجتمع المدني، وتبني انفتاح السوق، وعدم التدخل فيه سواء بتحديد الأسعار أو تحديد نوعية الإنتاج، وتهميش الاقتصاد الزراعي واستبداله باقتصاد ريعي يقوم على نواتج أرباح السياحة. وبطبيعة الحال كانت النتيجة الحتمية هي تخلي الدولة عن مسئوليتها الاجتماعية، وفتح الباب أمام المجتمع المدني الذي امتلأ عن آخره بجمعيات دينية تؤسس لخطاب سلفي ممهد للإرهاب. وفي المقابل، لا توجد مساهمات من رأس المال، على كافة المستويات. قد يبرر ذلك بأن المشروعات الصناعية الكبيرة، يهدر أصحابها جزءًا كبيرًا من الأموال في الإنفاق على الفساد الحكومي، فالرشاوى والعمولات التي تدفع لتمرير المشروعات، تضعف من رغبة رأس المال من تحمل مسئولية ألقتها عليه دولة تنهبه برأيه.

 

ثانيا: سؤال المواجهة

لقد ظهرت عدة مبادرات لمواجهة الوضع القائم في سيناء، أولاها ما دعا إليه المهندس ياسر قورة، القيادي بحزب "الحركة الوطنية المصرية"، لإعلان سيناء منطقة حرب، وإعلان حالة الطوارئ بها، وتفعيل المحاكمات العسكرية، وإخلاء الشريط الحدودي من السكان، وتفعيل قانون مكافحة الإرهاب، لمواجهة الأعمال الإرهابية المستمرة بسيناء. جاء ذلك في مبادرة تقدم بها قورة تضمنت رؤية تفصيلية لوضع آليات لمواجهة الأعمال الإرهابية بسيناء، ومنها إعلان سيناء "منطقة حرب"، وتشديد العمليات العسكرية الهادفة إلى اقتحام البؤر الإرهابية المتمركزة على الحدود المصرية، للقصاص في أسرع وقت. وكذلك إعلان حالة الطوارئ في المناطق الخطيرة، وعلى رأسها منطقة "الشيخ زويد"، كآلية رئيسية تضمن نجاح التحركات العسكرية ضد تلك البؤر الإرهابية المتطرفة، مشددا على ضرورة زيادة الضربات الاستباقية في سيناء. أما الآلية الثالثة فتتعلق بضرورة العمل على إيجاد صيغة مناسبة لإخلاء مناطق التوتر بسيناء من الأهالي، بصورة تدريجية، مع إيجاد مساكن مؤقتة بديلة لهم ومناسبة كي تتمكن قوات الجيش من توسيع نطاقات استهدافها للعناصر الإرهابية الذين يختبئون وسط الأهالي، وكذلك طرح قانون الإرهاب وعدم الانتظار لانتخاب البرلمان القادم. كما شدد على ضرورة تفعيل المحاكمات العسكرية العاجلة ضد كل الإرهابيين المتورطين في تلك العمليات.

في المقابل أعلنت الجبهة الوطنية، أنه انطلاقا من مسئولياتها الوطنية فى مواجهة الإرهاب والدفاع عن ثوابت الأمن القومي المصري، فإنهم يعلنون عن تشكيل الجبهة الوطنية لمواجهة الإرهاب. ويدعو الموقّعون على البيان، الصادر من الجبهة، كل القوى الوطنية والمدنية والشعبية للانضمام للجبهة بهدف تحقيق الأهداف الآتية: أولا: بناء أوسع جبهة للقوى المدنية والوطنية في مواجهة الإرهاب والمخططات التآمرية التي تستهدف الدولة المصرية ووجودها بهدف إلحاقها بالمخططات الرامية إلى تقويض الأمن القومي المصري والعربي لصالح مخطط الشرق الأوسط الجديد. ثانيا: توظيف جميع الآليات ووضع أسس التنسيق المشترك لفضح المخططات الإرهابية والقوى الداعمة لها، وحشد كل الطاقات السياسية والوطنية والجماهيرية للقيام بحملة توعية واسعة لكشف هذا المخطط وإبعاده. ثالثا: التواصل مع الجهات العربية والإقليمية والدولية بهدف إطلاعها على طبيعة المخططات التي تستهدف مصر والأمة العربية، والتأكيد على رفض توظيف الدين لحساب الأجندات السياسية التي تستهدف إسقاط الدولة المصرية امتدادا بالدول العربية والإسلامية جميعا. رابعا: عقد المؤتمرات الجماهيرية والتواصل مع الإعلام والصحافة بهدف تكوين رأي عام شعبي مساند للدولة المصرية في حربها ضد الإرهاب.

ينبغي أن تدرك الدولة مسئوليتها الاجتماعية نحو الفقراء والمهمشين والمستبعدين، إذ عليها أن تتجه بسياستها نحوهم، وأن يكونوا محورها

على أن هذه المبادرات على أهميتها أغفلت عدة قضايا لها وجاهتها، أولاها: أنها وضعت شروط الحل مقيدة باللحظة الراهنة، بينما الإرهاب هو جزء من إشكالية أعم، وهي عدم القدرة على إنجاز المطالب الشعبية لثورة يناير: تحقيق العدالة الناجزة، مواجهة الفساد، احترام الحقوق الانسانية للأفراد، إلخ. إذ لم يتطلب ترجمة هذه المطالب إلى عدد من الإجراءات العملية القادرة على إحداث التغيير الجذري المنشود. وثانيتها، وهو إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة وأهل سيناء، برفع المظالم ورد الحقوق، ومشاركة قيادتها الشعبية إلى جوار استيعاب الكوادر الشابة في المواجهة، دون تهميش أو إقصاء، والابتعاد عن نبرة التعالي أو النظرة الدونية أو العنصرية. وفي ضوء هاتين النقطتين الأساسيتين يمكن تحديد مجموعة من المحاور التي تحتاج للنظر، وهي التي تشكل في مجموعها إستراتيجية مقترحة للمواجهة:

1 - إنجاز العدالة

بمعنى تحقيقها كممارسة عملية، وهو أمر يتطلب إجراء تغييرات على عدة مستويات: تنموية بإنجاز تنمية تنفذ إلى كافة الطبقات والمناطق الجغرافية المحرومة، وقانونية تسمح بتحقيق العدالة الناجزة، بما يجعل الدولة هي الحاضنة للخلافات لا الجلسات العرفية، وهو الأمر الذي يتطلب ضرورة أن يقوم المجلس الأعلى للقضاء بوضع آليات تنهي تكدس القضايا ويعجل بسرعة التقاضي؛ وسياسية عبر تداول السلطة، وأمنية بتوخي حقوق الإنسان في التعامل مع المجرمين أثناء عمليات القبض والمداهمة والمعاملة داخل المقار الشرطية وفي السجون.

2 - نشر قيم التسامح وفقه الاختلاف

وذلك من خلال مؤسسات ثقافية قومية، تدشن لسياسة ثقافية جديدة، تلتزم بمنح المبدعين حق الإبداع الحر، دون تدخل من أي سلطة مفترضة، طالما لا يخل ذلك بالقيم العامة للمجتمع، ولا يتعرض للنسيج المجتمعي، كما تفتح السبيل أمام التفاعل بين المثقفين والجمهور دون تقييد، وحماية الإبداع من أي تسلط كهنوتي، ومواجهة الشائعات والخرافات التي تبثها المعادية للعقلانية وقيم العلم والتقدم. هذا إلى جوار التعامل الجاد مع الأنشطة الثقافية في التعليم العام، بحيث يعتبر التفوق فيها عاملا حاسما للتمييز بين الطلاب، خاصة أن هذه الأنشطة هي الأقدر على منح الطلاب فرصة التعبير والنقاش الحر الخلاق، والتمتع بقيم التسامح والحوار. إلى جوار ذلك ينبغي على الأحزاب السياسية أن تتحمل مسئوليتها في المواجهة طالما لا يوجد تضييق أمني عليها، عبر استغلال كوادرها في التوعية والنقاش الجماعي.

3 - إقامة المشروعات القومية

وينبغي أن توضع على رأس الأولويات، وأن تأتي نتاج النقاش والتفاوض المجتمعي، لا أن تكون تلبية لرؤية عناصر في النخبة الحاكمة أو النخبة المتعلمة، حتى يمكن أن تحظى بالثقة فيها، وفي أهميتها للاقتصاد الوطني. كما ينبغي أن تكون هذه المشروعات قادرة على جذب أبناء المناطق المحرومة من التنمية في الصعيد بوجه خاص، وفي المناطق الحضرية، بحيث تكون مصدر جذب للعمل، وتغيير الثقافة المستقرة، فأبناء المناطق العشوائية لن يتغيروا ثقافيًا إلا من خلال العمل والانخراط مع أبناء المجتمعات الأخرى المغايرة لهم، فالخروج من ربقة الفقر خروج من ربقة الثقافة الملازمة لها، مع تغيير ظروف العيش.

4 - بناء المسئولية الاجتماعية المشتركة

ينبغي أن تدرك الدولة أن مسئوليتها الاجتماعية نحو الفقراء والمهمشين والمستبعدين تتحملها هي بنصيب وافر، وليس مناصفة بينها وبين المجتمع، إذ عليها أن تتجه بسياستها نحوهم، وأن يكونوا محورها، لا أن تجعل من الطبقة المالكة أساسا لسياستها، فتوجه لهم دعمها في صورة مادية أو معنوية، في صورة وقود أو كهرباء أو منح أو أراضٍ، بينما لا تقوم هذه الطبقة إلا بتقديم أقل القليل، إن قررت العطاء والمنح. كما أن عليها أن تقوم بتعويض كل المتضررين من سياسات مبارك، وعلى رأسهم الفلاحون المصريون الذين أضيروا من جراء قانون المالك والمستأجر، الذي كانت له آثار فادحة على الأسرة المصرية في الريف، على جميع مستويات حياتها.

كذلك فإن مواجهة التطرف ليست مسئولية الدولة بمفردها لكنها مسئولية مجتمعية ينبغي أن يكون للقطاعات المجتمعية المختلفة دور فيها، سواء كانت الجمعيات الأهلية أم رجال الأعمال أو الأحزاب المدنية. وربما يكون غياب أو محدودية دور هذه القطاعات راجعا لغياب الثقة. فلابد من بناء جسور الثقة بين الدولة والمجتمع عبر الشفافية ومواجهة الفساد. فلا ينبغي اتباع منطق التقييد لما له من آثار وخيمة. ولعل المجتمع إن وجد الدولة تسيِّر القانون على الجميع دون تمييز من أي نوع، فسوف تكون الاستجابة بالعمل الجاد وتحمّل المسئولية. بينما لو اتبعت الدولة سياسة التقييد والمنع والرقابة المتشددة والمبالغ فيها، فيما في السر تمارس الفساد فلن يعينها المجتمع في مقاومة القضايا الكبرى. والحريُّ في لحظتنا الراهنة القيام بتطهير شامل لمؤسسات الدولة، بما يبعث برسالة للمجتمع بتغير الأوضاع والانتقال إلى سياسة جديدة لبناء الثقة المفقودة.

5 - تغيير السياسة التربوية

حيث يمكن العمل على تشجيع الأسر على تبني أساليب التربية الحديثة التي تحض على النقاش وحرية المبادرة والتفاهم المشترك واتباع المنطق العلمي في كل مجريات الحياة اليومية، في الصحة والدراسة والتعامل مع الآخرين. ربما يكون للبرامج الأسرية دور في ذلك في وسائل الإعلام المختلفة، علاوة على ما يمكن أن يتم تقديمه عبر الجمعيات الأهلية من تدريبات توعوية للأسر في الريف والمدينة

كذلك من الضرورة بمكان القيام بمراجعة نقدية للمناهج التدريسية في التعليم العام والأزهري، من خلال لجنة من الباحثين في علوم التربية، بحيث يتم تخليصها من كل ما يتعارض مع العقل والقيم العصرية، ويحولها إلى مناهج تدعم العقل على النقل.

  

إرسل لصديق

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟