المركز العربي
للبحوث والدراسات
رئيس مجلس الادارة
عبد الرحيم علي

المدير التنفيذي 
هاني سليمان
ads
مصطفى صلاح
مصطفى صلاح

تداعيات التصعيد: روسيا وإسرائيل.. مسارات الاحتجاجات في كازاخستان

الأحد 23/يناير/2022 - 12:18 م
المركز العربي للبحوث والدراسات

بعيدًا عن ارتفاع أسعار الغاز وغضب الكازاخيين، وموقفهم من توكاييف وريث نور سلطان نزارباييف، الرئيس الوحيد الذي عرفته البلاد منذ استقلالها عن الاتحاد السوفيتي، إلا أنه ثمة تساؤلات كثيرة يمكن تداولها حول أزمة كازاخستان من أسبابها ومآلاها، بالإضافة إلى خريطة التفاعلات الإقليمية والدولية حولها.

وعلى الرغم من ارتباط المطالب الأولية للمتظاهرين في كازاخستان بزيادة ومضاعفة في أسعار الغاز، والتي دخلت حيز التنفيذ منذ بداية العام الحالي وما أفرزته من تداعيات من تصاعد غضب شعبي، إلا أن سعر الغاز في كازاخستان هو الأدنى في أوروبا، وهو ما يعني أن سعر الغاز لا يمكن أن يصبح سببًا حقيقيًا للاحتجاجات في كازاخستان.

ويمكن الإشارة هنا إلى أن سعر لتر الوقود وصل في ديسمبر إلى 0.12 يورو (60 تنغي أو 10 روبل)، وفي يناير 0.24 يورو (120 تنغي أو 20 روبل، ويبلغ متوسط سعر الغاز المسال في روسيا حوالي 27 روبل. ومن ثم فإن سعر الغاز من الناحية الموضوعية لا يمكن أن يكون حدثًا قادرًا على دفع السكان إلى جرائم دموية، وأن المتظاهرين قد تحولوا بالفعل من هذه المطالب وبدأوا في تقديم مطالب سياسية لقيادة كازاخستان، في كثير من النواحي تتفق مع تلك التي بدت على الميدان الأوكراني في عامي 2013 و2014، ما يشير إلى اتهامات إلى تدخل من جانب الولايات المتحدة الأمريكية.

امتدادات الأزمة

تقع كازاخستان بين روسيا والصين، وهي أكبر دولة غير ساحلية في العالم أي لا تملك منفذًا على البحر، وهي أكبر من أوروبا الغربية بأكملها، على الرغم من أن عدد سكانها لا يتجاوز 19 مليون نسمة إلا أن الاضطرابات الأخيرة والتظاهرات التي حدثت تمتلك أهمية خاصة لأنها وقعت في دولة كانت تعتبر إلى وقت قريب ركيزة الاستقرار السياسي والاقتصادي في منطقة غير مستقرة عامة، ولو أن هذا الاستقرار جاء نتيجة القمع.

بالإضافة إلى ذلك، تعد كازاخستان أيضًا بلدًا مهمًا لعبور الطاقة لدول آسيا الوسطى المجاورة الغنية بالموارد، وصلت الاحتجاجات بالفعل إلى العمال في حقل تنكيز النفطي، على الرغم من أن الإنتاج لم يتأثر بعد. لكن إذا أصبحت هذه الاحتجاجات كبيرة بما يكفي لتعطيل إنتاج الطاقة أو عبورها، فقد يكون لها آثار اقتصادية كبيرة.

من جانب آخر، كان الدافع وراء الاضطرابات في كازاخستان هو ارتفاع أسعار الوقود والإحباط من كل شيء من البطالة والتضخم إلى الفساد. وقد بدأت الاحتجاجات في المناطق الريفية بعد زيادة أسعار الغاز، ثم امتدت إلى عدد من المدن وبينها ألماتي، العاصمة الاقتصادية للبلاد؛ حيث تطورت التظاهرات إلى أعمال شغب أدت إلى سقوط عشرات القتلى، كما سارعت روسيا إلى التدخل في أزمة الاحتجاجات التي اندلعت في كازاخستان، بداية من 2 يناير 2022، وإن كان في إطار منظمة "معاهدة الأمن الجماعي" التي أرسلت قوات حفظ سلام للمساعدة في استتباب الأمن ومنع انتشار الفوضى. ويمكن القول إن ثمة اعتبارات عديدة دفعت روسيا إلى تبني هذا النهج، الذي يختلف، إلى حد ما، عن ردود فعلها إزاء أزمات أخرى واجهتها بعض دول آسيا الوسطى ولم تنخرط فيها على هذا المستوى، على غرار ما حدث في قيرغيزستان في عام 2020 على سبيل المثال.

بالإضافة إلى ذلك، فإن القرار المتعلق بتدخل منظمة معاهدة الأمن الجماعي، وهي أشبه بنسخة روسية من حلف شمال الأطلسي، يعد المرة الأولى التي يتم فيها تدخل المنظمة بحجة حماية بلد ما، وهي خطوة يمكن أن يكون لها عواقب كبيرة على الجغرافيا السياسية في المنطقة.

الانخراط الروسي

هناك من يرى أن بوتين يسعى إلى تحويل اضطرابات كازاخستان إلى فرصة ليرسخ النفوذ الروسي باعتبار أن ما يحدث هناك ما هو إلا مؤامرة غربية بقيادة أميركية لإكمال الطوق حول بلاده، وقد قال في هذا الصدد بعد أيام من اندلاع اضطرابات كازاخستان أنه لا ثورات ملوّنة في آسيا الوسطى، بمعنى أنه لن يسمح بتكرار ما حصل في أوكرانيا عام 2004، كما منع سقوط بيلاروسيا.

وبالنسبة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين فإن الأحداث التي تتطور عبر حدوده الجنوبية تبدو مقلقة؛ حيث تحافظ روسيا على علاقات وثيقة مع كازاخستان وتعتمد على قاعدة “بايكونور كوزمودروم” كقاعدة إطلاق لجميع مهام الفضاء المأهولة الروسية، مع حقيقة أن روسيا تعتمد غالبًا على الغاز الكازاخستاني تعويضًا للإنتاج الروسي غير الكافي.

وضمن السياق ذاته، لا تخفي موسكو انزعاجها من أية محاولة غربية للتوغل سياسيا في بلد قريب منها، وفي كل مرة تحدث فيها اضطرابات بالمنطقة يثار الصراع القائم بين روسيا والغرب، وهو صراع موجود في كازاخستان وظهر من خلال الاتهامات الروسية للأميركيين بأنهم وراء الاحتجاجات الأخيرة.

الجدير بالذكر هنا أن توقيت الأزمة توازى مع تفاقم الخلافات الروسية- الغربية في أوكرانيا، في ظل التهديدات الروسية المتكررة باستخدام الخيار العسكري في التعامل مع الأخيرة التي تبدي قلقها من تداعيات انضمامها المحتمل لحلف الناتو. وهنا، وللمفارقة، فإن هذه التهديدات الموجهة لأوكرانيا لا تنفصل عن المخاوف الروسية من المسارات التي كان يمكن أن تتجه إليها احتجاجات كازاخستان. فالهدف واحد وهو إبعاد الغرب وحلف الناتو عما تسميه موسكو بـمجالها الحيوي، أو بمعنى أدق إعادة التوازن الاستراتيجي إلى مرحلة ما قبل انهيار الاتحاد السوفيتي، وهو أمر لا يتسامح مع المعطيات الموجودة على الأرض حاليًا، حتى وإن كانت روسيا قد تمكنت في الفترة الماضية من استعادة جزء من مكانتها كقوة رئيسية على الساحة الدولية. وما شجع روسيا على التدخل سريعًا أيضًا الإشارات الصادرة عن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بأنه لن تكون هناك عواقب اقتصادية أو سياسية كبيرة لروسيا من الغرب، ونتيجة لذلك، تصرفت روسيا بسرعة وحسم لإرسال قوات منظمة معاهدة الأمن الجماعي فور طلبها.

الموقف الإسرائيلي

أثارت الاحتجاجات في كازاخستان، قلقًا كبيرًا في لدى القادة الإسرائيليين، لأن هذه الدولة المسلمة الثرية تعد مرتكزاً أساسياً لاستراتيجية وعلاقة إسرائيل بدول آسيا الوسطى، وهي علاقة تحقق لتل أبيب العديد من المنافع الاستراتيجية. وتربط حكومة كازاخستان بالحكومة الاسرائيلية علاقات أمنية سرية في مجال بيع الأسلحة والسايبر للنظام السياسي في كازاخستان، كما أن إسرائيل تتابع الأحداث في كازاخستان بقلق، خاصة في ظل العلاقات بين الدولتين في مجالي النفط والسلاح، اللذين يجري التعتيم عليهما من جانب الدولتين، لكن خبراء إسرائيليين يؤكدون أن هذين المجالين ينطويان على أهمية إستراتيجية بالغة.

بالإضافة إلى ذلك، تمتنع إسرائيل عن كشف معلومات حول الدول التي تستورد منها النفط، لكن تقارير صادرة عن مصفاتي تكرير النفط في إسرائيل أفادت باستيراد النفط من البحر الأسود وبحر قزوين، اللذين يصل عن طريقهما النفط من كازاخستان ودول أخرى في آسيا الوسطى إلى أسواق في حوض البحر المتوسط. كما تنظر إسرائيل إلى الاضطرابات والصراعات على السلطة في كازاخستان بقلق؛ حيث تعد كازاخستان مصدرًا مهمًا للنفط إلى إسرائيل وسوقًا مربحًا للأسلحة الإسرائيلية، وهو ما يمكن أن يترتب عليه تراجع نفوذها في كازاخستان ومنطقة آسيا الوسطى.

في الختام: هناك مجموعة من التداعيات حول طبيعة الأزمة في كازاخستان وحدود التدخلات الإقليمية والدولية حولها، وهو ما قد يسهم في تحويل كازاخستان إلى بؤرة صراع بينهم، ومن ثم امتداد انعكاساتها داخليًا وتدهور أوضاعها، بالإضافة إلى ذلك، فإن مشاركة روسيا وبيلاروس وقيرغيزستان وأرمينيا، وهي دول واجهت مشاكلها الخاصة بسبب الاضطرابات الاجتماعية والسياسية، يمكن أن تجعل تلك البلدان أكثر عرضة للاضطرابات السياسية في المستقبل. وإذا فشلت هذه الدول بقيادة روسيا في تهدئة الوضع واستعادة النظام في كازاخستان، وربما في المناطق الساخنة في المستقبل، فقد يضر هذا بشدة بسمعة الكرملين، سواء في الداخل أو في الفضاء السوفييتي السابق.

وبالنسبة لإسرائيل فإنها تنظر بعين القلق إلى مجريات الأوضاع في كازاخستان في ظل التنافس الأمريكي الروسي حول مجموعة من الأهداف التي تقع في مرمى مصالحها والتي ترتبط بصورة كبيرة بالمفاوضات حول تسوية الأزمة في أوكرانيا، ومن ثم يمكن أن يؤدي تعزيز روسيا لمصالحها ونفوذها هناك إلى تراجع للنفوذ الإسرائيلي.

إرسل لصديق

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟